إغاثة اللهفان

وكان يقول: «إن للعالم صانعًا مُحْدِثًا، مُبْدِعًا أزليًا، واجبًا بذاته، عالمًا بجميع المعلومات».

قال: «وليس في الوجود رسم ولا طَلَل إلا ومثاله عند الباري». يشير إلى وجود صور المعلومات في علمه.

فهو مُثبتٌ للصفات، وحدوث العالم، ومُنْكِرٌ لعبادة الأصنام، ولكن لم يواجِه قومَهُ بالردِّ عليهم وعَيْبِ آلهتهم، فسكتوا عنه، وكانوا يعرفون له فضله وعلمه.

وصرَّح أفلاطون بحدوث العالم، كما كان عليه الأساطين، وحكى ذلك عنه تلميذه أرسطو، وخالفه فيه، فزعم أنه قديم، وتبعه على ذلك ملاحدة الفلاسفة من المنتسبين إلى الملل وغيرهم، حتى انتهت النوبة إلى أبي علي ابن سينا، فرام بجهده تقريب هذا الرأي من قول أهل الملل، وهيهات اتفاق النقيضين، واجتماع الضدين!

فرسل الله تعالى وكتبه وأتباع الرسل في طرف، وهؤلاء القوم في طرف.

وكان ابن سينا كما أخبر عن نفسه قال: أنا وأبي من أهل دعوة الحاكم، فكان من القرامطة الباطنية، الذين لا يؤمنون بمبدأ ولا معاد، ولا ربٍّ خالق، ولا رسولٍ مبعوث جاء من عند الله تعالى.

وكان هؤلاء زنادقة يتستَّرون بالرَّفْض، ويُبْطِنُون الإلحاد المَحْض، وينتسبون إلى أهل بيت الرسول ﷺ وهو وأهل بيته برآءُ منهم نسبًا ودينًا، وكانوا يقتلون أهل العلم والإيمان، ويَدَعون أهل الإلحاد والشرك والكفران، لا يُحرِّمون حرامًا، ولا يُحِلُّون حلالًا، وفي زمنهم ولخواصِّهم وُضِعَتْ «رسائل إخوان الصفا».

1031

ولما انتهت النوبة إلى نَصِير الشرك والكفر الملحد، وزير الملاحدة، النّصير الطُّوسي، وزير هُولاكو شفَى نفسَه من أتباع الرسول وأهل دينه، فعَرَضَهم على السّيف، حتى شفَى إخوانه من الملاحدة، واشتفى هو، فقتل الخليفة والقُضَاة والفُقهاء والمحدّثين، واستَبْقَى الفلاسفة والمنجِّمين والطبائعيين والسّحَرة، ونقلَ أوقافَ المدارس والمساجد والرُّبُطِ إليهم، وجعلهم خاصّته وأولياءه، ونصرَ في كُتبه قِدَم العالَم، وبطلان المعاد، وإنكار صفات الرب ﷻ، من علمه، وقدرته، وحياته، وسمعه، وبصره، وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وليس فوق العرش إلهٌ يُعبد البتة.

واتخذ للملاحدة مدارسَ، ورامَ جَعْلَ «إشارات» إمام الملحدين ابن سينا مكان القرآن، فلم يَقْدِرْ على ذلك، فقال: «هي قرآنُ الخواصّ، وذاك قرآنُ العوامّ»، ورَامَ تغيير الصلاة، وجعلها صلاتين، فلم يتم له الأمر، وتَعلّم السحر في آخر الأمر، فكان ساحرًا يعبد الأصنام.

وصارعهُ محمدٌ الشهرستاني في كتاب سماه «المُصَارعة»، أبطلَ فيه قوله بقدَمِ العالَم وإنكار المعاد، ونفي علم الرب تعالى وقدرته، وخلقه للعالَم، فقام له نصير الإلحاد وقعد، ونقضه بكتاب سماه «مُصارعة المصارع١» ــ ووقفنا على الكتابين ــ نصر فيه: أن الله تعالى لم يخلق السماوات والأرض في ستة [١٥٤ أ] أيام، وأنه لا يعلم شيئًا، وأنه لا يفعلُ بقدرته واختياره، ولا يبعثُ مَنْ في القبور.

وبالجملة فكان هذا الملحد هو وأتباعه من الملحدين الكافرين بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.

  1. (١) في الأصل: «التضارع» تحريف.
1032

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي