إغاثة اللهفان

وضعها، فلا يكون عندهم نصرانيًّا مَنْ لم يُقِرَّ بها، ولا يتم لهم قُربانٌ إلا بها، وهي هذه:

«نؤمن بالله الواحد الأب، مالك كل شيء، صانع ما نرى وما لا نرى، وبالرب الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد، بكر الخلائق كُلّها، الذي وُلد من أبيه قبلَ العوالِم كلها، وليس بمصنوعٍ، إله حقٌ من إله حقٍّ، من جوهر أبيه، الذي بيده أُتْقنت العوالمُ، وخُلق كل [١٥٥ ب] شيء، الذي من أجْلِنا معشر الناس، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسّد من رُوح القدُس، وصار إنسانًا وحُملَ به، ثم وُلد من مَريم البَتُول، وأَلِمَ، وشُجَّ، وقُتل، وصُلب، ودُفن، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مُستعدٌّ للمجيء تارةً أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، ونؤمن بروح القُدُس الواحد، روح الحق الذي يخرج من أبيه، روح محبته، وبمعمودية واحدةٍ لغُفران الخطايا، وبجماعةٍ واحدةٍ قدّيسيّة جاثليقيّةٍ، وبقيامةِ أبداننا، والحياة الدائمة إلى أبَدِ الآبدين».

فهذا العقدُ الذي أجمع عليه الملكية، والنّسْطُورية، واليعقوبية.

وهذه الأمانة التي ألّفها أولئك البتاركة والأساقِفة والعلماء، وجعلوها شعار النصرانية، وكان رؤساء هذا المجمع: بَتْرَكَ الإسكندرية، وبترك أنْطاكية، وبترك بيت المقدس، فافترقوا عليها، وعلى لَعْنِ من خالفها، والتّبَرِّي منه، وتكفيره.

ثم ذهب أرْيُوس يدعو إلى مقالته، ويُنفّر النصارى عن أولئك الثلاث مئة والثمانية عشر، فجمع جمعًا عظيمًا، وصاروا إلى بيت المقدس، وخالف كثيرٌ من النصارى لأولئك المجمع.

1039

فلما اجتمعوا قال أريوس: إن أولئك النفر تَعدَّوا عليّ، وظلموني، ولم يُنْصفوني في الحِجاج، وحرموني ظُلمًا وعُدوانًا، ووافقه كثيرٌ من الذين معه، وقالوا: صَدَقَ، فوثبوا عليه فضربوه، حتى كاد أن يُقْتَل لولا ابن أخت الملك خلّصه، وافترقوا على هذه الحال.

ثم كان لهم مجمعٌ ثالث بعد ثمانٍ وخمسين سنة من المجمع الأول، اجتمع الوُزراء والقُوّادُ إلى الملك، وقالوا: إن مقالة الناس قد فَسَدَت، وغلب عليهم مقالة أريوس، فاكتُب إلى جميع البتاركة والأساقفة أن يجتمعوا، ويوضحوا دين النصرانية، فكتب الملك إلى سائر بلاده، فاجتمع بقُسطنطينية مئةٌ وخمسون أُسْقُفًا، وكان مُقَدَّموهم: بَتْرَك الإسكندرية، وبترك أنطاكية، وبترك بيت المقدس، فنظروا في مقالة أريوس.

وكان من مقالته: أن روح القدس مخلوق مصنوع، ليس بإله.

فقال بترك الإسكندرية: ليس لروح القدس عندنا معنًى غير روح الله تعالى، وليس روح الله تعالى شيئًا غير حياته، فإذا قلنا: إن رُوح القُدُس مخلوقٌ فقد قلنا: إن روح الله مخلوقٌ، وإذا قلنا: إن رُوح الله مخلوقة، فقد قلنا: إن حياته مخلوقةٌ، فقد جعلناه غير حَيٍّ، ومن جعله غير حيٍّ فقد كفر، ومن كفر وجب عليه اللعنُ.

فلعنوا بأجمعهم أريوسَ وأشياعَهُ وأتباعَهُ، والبتاركة الذين قالوا بمقالته، وبينوا أن روح القدس خالق غير مخلوق، إله حقٌّ، وأن طبيعة الأب والابن جَوْهرٌ واحدٌ، وطبيعة واحدةٌ، وزادوا في الأمانة التي وضعها الثلاث مئة والثمانية عشر:

«ونؤمن بروح القدس الربّ المحيي، الذي من الأب المنبثق، الذي مع الابن والأب، وهو مسجود ومُمَجّد».

1040

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي