إغاثة اللهفان

وكان في الأمانة الأولى: «وبروح القدس» فقط.

وبينوا أن الأب والابن وروح القدس ثلاثة أقانيم، وثلاثة وجوه، وثلاثة خواصّ، وحدة في تثليثٍ، وتثليثٌ في وحدة، وزادوا ونقصوا في الشريعة.

وأطلق بترك الإسكندرية للرهبان والأساقفة والبتاركة أكلَ اللحم، وكانوا على مذهب مَانِيْ، لا يرون أكل ذوات الأرواح. [١٥٦ أ]

فانفَضّ هذا المجمع، وقد لعنوا فيه أكثر أساقفتهم وبتاركتهم، ومضوا على تلك الأمانة.

ثم كان لهم مجمعٌ رابع بعد إحدى وخمسين سنة من هذا المجمع على نَسْطُورس. وكان مذهبه: «أن مريم ليست بوالدةِ الإله على الحقيقة، ولكن ثمة اثنان، الإله الذي هو موجود من الأب، والآخر إنسانٌ الذي هو موجود من مريم، وأن هذا الإنسان الذي نقول: إن المسيح متوحِّد مع أب الإله، وابن الإله ليس ابنًا على الحقيقة، لكن على سبيل الموْهبة والكرامة، واتفاق الاسمين».

فبلغ ذلك بتاركَةَ سائر البلاد، فجرت بينهم مراسلاتٌ، واتفقوا على تَخْطِئته، واجتمع منهم مئتا أُسقُفٍّ في مدينة أفْسِيس، وأرسلوا إلى نَسْطُورس للمناظرة، فامتنع ثلاث مرات، فأوجبوا عليه الكفر، فلعنوه ونفوه، وحرموه، وثَبّتوا: «أن مريم ولدت إلهًا، وأن المسيح إله حقٌّ، وإنسان معروفٌ بطبيعتين، مُتَوحّد في الأقنوم».

فلما لعنوا نَسْطُورس غضب له بَتْركُ أنطاكية، فجمع أساقفته الذين قدموا معه، وناظَرَهُم، فقطعهم، فتقاتلوا، ووقع الحرب والشر بينهم، وتفاقم أمرهم، فلم يزل الملك حتى أصلح بينهم، فكتب أولئك صحيفة: بأن «مريم

1041

القِدِّيسة ولدت إلهًا، وهو رَبُّنا يَسُوع المسيح، الذي هو مع أمِّه في الطبيعة، ومع الناس في الناسوت»، وأنفذوا لَعْنَ نسطورس.

فلما نُفِي نسطورس سار إلى أرض مصر، وأقام بإخميم سبع سنين، ودُفن بها، ودَرَسَت مقالته، إلى أن أحياها ابن صَرما، مُطران نَصيبين، وبثَّها في بلاد المشرق، فأكثر نصارى العراق والمشرق نسطورية.

وانفضّ ذلك الجمع أيضًا على لعن نسطورس ومَنْ قال بقوله.

وكل مجامعهم كانت تجتمع على الضلال، وتفترق على اللعن، فلا ينفضُّ المجمع إلا وهُم ما بين لاعنٍ وملعون.

ثم كان لهم مجمعٌ خامس، وذلك أنه كان بالقسطنطينية طبيب راهب يقال له: أوطيسوس، يقول: إن جسد المسيح ليس هو مع أجسادنا في الطبيعة، وإن المسيح قَبْل التّجَسُّد طبيعتان، وبعد التجسد طبيعة واحدة.

وهذه مقالة اليعقوبية.

فرحل إليه أسْقُف دَوْلته، فناظره فقَطعه، وأدْحَضَ حُجَّتَهُ. ثم سار إلى قسطنطينية، فأخبر بتركها بالمناظرة وبانقطاعه، فأرسل بترك الإسكندرية إليه، فاستحضره، وجمع جمعًا عظيمًا، وسأله عن قوله، فقال: إن قلنا: إن المسيح طبيعتان فقد قلنا بقول نسطورس، ولكنا نقول: إن المسيح طبيعة واحدة، وأقنومٌ واحد، لأنه من طبيعتين كانتا قبل التجسد، فلما تجسّد زالت عنه الاثْنَيْنِيّة، وصار طبيعةً واحدةً، وأقنومًا واحدًا.

فقال له بترك القسطنطينية: إن كان المسيحُ طبيعةً واحدة فالطبيعةُ القديمة هي الطبيعة المحدَثة، وإن كان القديم هو المحدث فالذي لم يَزَلْ

1042

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي