إغاثة اللهفان

البَتْرَك إلى أَيْلَة، وبعث يُوحَنّا بَتْرَكًا على بيت المقدس، لأنه كان قد ضَمِن للملك أن يلعن الست مئة والثلاثين.

فلما قدم إلى بيت المقدس اجتمع الرهبانُ، وقالوا: إياك أن تَقبل سورس، ولكن قاتل عن الست مئة والثلاثين ونحن معك، ففعل، وخالف الملك.

فلما بلغه أرسل قائدًا وأمره أن يأخذ يُوحَنّا بلعنة أولئك، فإن لم يفعلْ أنزله عن الكرسي ونفاه، فقدِم القائدُ، وطرح يُوحَنّا في الحبس، فصار إليه الرهبان في الحبس، وأشاروا عليه بأن يضمن للقائد أن يفعل ذلك، فإذا حضر فليُقِرَّ بلعنة كلّ من لعنه الرهبان.

فاجتمع الرهبانُ وكانوا عشرة آلاف راهب، فلعنوا أوطيسوس، ونَسْطُورس، وسورس، ومن لا يقبلُ من أولئك الست مئة والثلاثين.

ففزع رسول الملك من الرهبان، وبلغ ذلك الملك، فَهَمّ بنفي يُوحَنّا، فاجتمع الرُّهبان والأساقفة، فكتبوا إلى الملك: أنهم لا يقبلون مقالة سورس، ولو أُريقت دماؤهم، وسألوه أن يَكُفّ أذاه عنهم.

وكتب بَتْرَكُ رُومية إلى الملك بقُبْحِ فِعْله وبلَعْنِه، [١٥٧ أ] فانفضّ ذلك المجمع على اللعنة أيضًا.

وكان لسورس تلميذ يقال له: يعقوب البراذعي، لأنه كان يلبس من قِطع براذع الدواب، يرقّع بعضها ببعض، وإليه ينسب اليعاقبة، فأفسد أمانة القوم.

ثم هلك أنسطاس الملك، وولي بَعْدُ قسطنطين، فردَّ كلّ من كان نفاه أنسطاس إلى موضعه، وكتب إلى بيت المقدس بأمانته.

1045

فاجتمع الرهبان، وأظهروا كتابه، وفرحوا به، وأثبتوا قول الست مئة والثلاثين أسقفًا، وغلبت اليَعقوبية على الإسكندرية، وقتلوا بَتْرَكًا يقال له: بُولس، وكان مَلْكانيًا، فولى الملك إسطيانوس، فأرسل قائدًا ومعه عسكر عظيم إلى الإسكندرية، فدخل الكنيسة في ثياب البَتْرَكَة، وتقدّم وقدّس، فرمَوْه بالحجارة، حتى كادوا يقتلونه، فانصرف وتوارَى عنهم، ثم أظهر لهم بعد ثلاثة أيام أنه أتاه كتابٌ من الملك، وأمر الحرس أن يجمعوا الناس لسماعه، فلم يبق أحد بالإسكندرية حتى حضر لسماعه، وكان قد جعل بينه وبين جنده علامةً إذا هو فعلها وضعوا السيف في الناس، فصعد المنبر، وقال: يا معشر أهل الإسكندرية! إن رجعتم إلى الحق وتركتم مقالة اليعاقبة، وإلا لم تأمنوا أن يُوجّه الملك إليكم مَنْ يَسْفك دماءكم، فرموه بالحجارة حتى خاف على نفسه، فأظهر العلامة، فوضعوا السيوف على مَنْ بالكنيسة، فقُتل خلقٌ لا يحصيهم إلا الله تعالى، حتى خاض الجند في الدّماء، وظهرت مقالة المَلْكانية بالإسكندرية.

ثم كان لهم بعد ذلك مجمع ثامن.

وذلك أن أسقف مَنْبِجَ كان يقول بالتناسخ، وأنه ليس ثمة قيامة ولا بعثٌ، وكان أُسقف الرُّها وأسقف المِصّيصة وأسقف ثالث يقولون: إن جسد المسيح خيال غير حقيقة، فحشرهم الملك إلى قسطنطينية، فقال لهم بَتركُها: إن كان جسدُهُ خيالًا فيجب أن يكون فعله خيالًا، وقوله خيالًا، وكل جسدٍ نعاينه لأحدٍ من الناس أو فعلٍ أو قول فهو كذلك.

وقال له: إن المسيح قد قام من الموتَى، وأعلمنا أنه كذلك يقومُ الناس يوم الدِّين.

1046

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي