إغاثة اللهفان
فَذَاكَ المَرْكَبُ المَلْعُونُ حَقًّافَدُسْهُ لا تَبُسْهُ إِذْ تَرَاهُ
يُهَانُ عَلَيْهِ رَبُّ الْخَلقِ طُرًّاوتَعْبُدُهُ فَإِنّكَ مِنْ عِدَاهُ
فإِنْ عَظَّمْتَهُ مِنْ أَجْلِ أَنْ قَدْحَوَى رَبَّ العِبَادِ وَقَدْ عَلَاهُ
وَقَدْ فُقِدَ الصَّلِيبُ فإِنْ رَأَيْنَالَهُ شَكْلًا تَذَكَّرْنَا سَنَاهُ
فَهَلاّ للقُبُورِ سَجَدْتَ طُرًّالِضَمِّ القبرِ رَبّكَ في حَشَاهُ
فَيَا عبد المَسيحِ أَفِقْ فَهَذَيبِدَايَتُهُ وَهذَا مُنْتَهاهُ

فصل

قد بانَ لكل ذي عقل أن الشيطان تلاعبَ بهذه الأمة الضّالة كلَّ التلاعُب، ودعاهم فأجابوه، واستخفهم فأطاعوه.

فتلاعب بهم في شأن المعبود ﷾.

وتلاعبَ بهم في أمر المسيح.

وتلاعب بهم في شأن الصليب وعبادته.

وتلاعبَ بهم في تَصْوير الصّور في الكنائس وعبادتها، فلا تجدُ كنيسة من كنائسهم تَخْلُو عن صورة مريم، والمسيح، وجرجس، وبطرس، وغيرهم من القديسين عندهم، والشهداء.

وأكثرهم يسجدون للصور، ويدعونها من دون الله تعالى.

حتى لقد كتب بِطْريقُ الإسكندرية إلى ملك الروم كتابًا يحتجّ فيه للسجود للصور: بأن الله تعالى أمر موسى ﵇ أن يُصَوِّر في قُبّة الزمان صورة الساروس، وبأن سليمان بن داود لما عمل الهيكل عمل صورة الساروس من ذهب، ونَصَبها داخل الهيكل.

1064

ثم قال في كتابه: وإنما مثال هذا مثال الملك يكتبُ إلى بعض عُمّاله كتابًا، فيأخذه العاملُ ويُقَبِّله ويضعهُ على عينيه، ويقومُ له، لا تعظيمًا للقِرطاس والمداد، بل تعظيمًا للملك، كذلك السجود للصور تعظيمٌ لاسم ذلك المصوّر، لا للأصباغ والألوان.

وبهذا المثال بعينه عُبِدَت الأصنام.

وما ذكره هذا المشركُ عن موسى وسليمان ﵉ لو صحَّ لم يكن فيه دليلٌ على السجود للصور، وغايتُه أن يكون بمثابة ما يُذكر عن داود: أنه نقش خطيئته في كفِّه لئلا ينساها، فأين هذا مما يفعله هؤلاء المشركون من التذَلّل، والخضوع، والسجود بين يدي تلك الصور؟

وإنما المثالُ المطابقُ لما يفعله هؤلاء المشركون: مثالُ خادمٍ من خُدّام الملك دخل على رَجُل قريب من مجلسه، وسجد له وعبده، وفعل به ما لا يصلح أن يُفعل إلا مع الملك، وكلّ عاقل يستجهله ويستحمقه في فعله إذ قد فعلَ مع عبد الملك ما كان ينبغي له أن يَخُصّ به الملك دون عبيده من الإكرام، والخضوع، والتذلل.

ومعلومٌ أن هذا إلى مَقْتِ الملك له، وسُقوطه من عينه أقربُ منه إلى إكرامه له، ورفع منزلته.

كذلك حالُ مَنْ سجد لمخلوق، أو لصورة مخلوق لأنه عَمَدَ إلى السجود الذي هو غايةُ ما يتوصل به العبدُ إلى رضا الربّ، ولا يصلح إلا له، ففعله لصورة عبد من عبيده، وسوّى بين الله وبين عبده في ذلك، وليس وراء هذا في القبح والظلم شيء. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].

1065

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي