إغاثة اللهفان

النصارى، وهَدْم الكنائس، وقَتْلُهم قُربانٌ إلى الله تعالى، ونحن نتحمَّل عنك هذا الذنب ونكفِّره عنك، ونسأل المسيح أن لا يؤاخذك به، ونجعل لك جمعة كاملة في بدء الصوم، نصومها لك، ونترك فيها أكل اللحم مادامت النصرانية، ونكتب به إلى جميع الآفاق، غفرانًا لما سألناك! فأجابهم، وقتل من اليهود حول بيت المقدس وجبل الخليل ما لا يُحصى كثرة.

فصيّروا أول جمعة من الصوم الذي يترك فيه المَلِكيّة أكل اللحم، يصومونها لهرقل الملك، غفرانًا لنقضه العهد، وقتل اليهود، وكتبوا بذلك إلى الآفاق.

وأهل بيت المقدس١ وأهل مصر يصومونها.

وبقية أهل الشام والروم يتركون اللحم فيها، ويصومون الأربعاء والجمعة.

وكذلك لمَّا أرادوا نقل ذلك٢ إلى فصل الرّبيع المعتدل، وتغيير شريعة المسيح، زادوا فيه عشرة أيام عِوضًا وكفارة لنقلهم له.

ومن ذلك: تلاعبه بهم في أعيادهم، وكلها موضوعة مختلقة، مُحْدَثَةٌ بآرائهم واستحسانهم.

فمن ذلك عِيدُ ميكائيل، وسببه أنه كان بالإسكندرية صنم، وكان جميع مَن بمصر والإسكندرية يُعَيّدون له عيدًا عظيمًا، ويذبحون له الذبائح، فولَّى بَتْرَكةُ الإسكندرية واحدًا منهم، فأراد أن يكسره، ويبطل الذبائح، فامتنعوا

  1. (١) م: «الملك». وهو تحريف.
  2. (٢) كذا في م، وفي بقية النسخ: «الصوم».
1067

عليه، فاحتال عليهم، وقال: إن هذا الصنم لا ينفع ولا يضرُّ، فلو جعلتم هذا العيد لميكائيل ملك الله تعالى، وجعلتم هذه الذبائح له، كان يشفع لكم عند الله، وكان خيرًا لكم من هذا الصنم! فأجابوه إلى ذلك، فكسر الصنم، وصيّره صُلبانًا، وسمى الكنيسة كنيسة ميكائيل، وسماها قيسارية، ثم احترقت الكنيسة وخربت، وصيّروا العيد والذبائح لميكائيل.

فنقلهم من [١٦٢ أ] كفر إلى كفر، ومن شرك إلى شرك.

فكانوا في ذلك كمجوسيٍّ أسلم، فصار رافضيًّا، فدخل الناس عليه يهنئونه، فدخل عليه رجل، وقال: إنك إنما انتقلت من زاوية من النار إلى زاوية أخرى.

ومن ذلك: عيد الصليب، وهو مما اختلقوه وابتدعوه فإن ظهور الصليب إنما كان بعد المسيح بزمن كثير، وكان الذي أظهره زورًا وكذبًا أخبرهم به بعض اليهود أن هذا هو الصليب الذي صُلب عليه إلههم وربهم.

فانظر إلى هذا السند، وهذا الخبر!

فاتخذوا ذلك الوقت الذي ظهر فيه عيدًا، وسمَّوه عيد الصليب، ولو أنهم فعلوا كما فعل أشباهُهم من الرافضة، حيث اَّتخذوا وقت قتل الحسين ﵁ مأتمًا وحزنًا، لكان أقرب إلى العقول.

وكان من حديث الصليب: أنه لما صُلب المسيح على زعمهم الكاذب، وقُتل ودفن، رُفع من القبر إلى السماء، وكان التلاميذ كلَّ يوم يصيرون إلى القبر إلى موضع الصلب ويصلُّون، فقالت اليهود: إن هذا الموضع لا يخفى، وسيكون له نبأ، وإذا رأى الناس القبر خاليًا آمنوا به، فطرحوا عليه التراب والزبل، حتى صار مَزْبلة عظيمة، فلما كان في أيام قُسطَنطين الملك جاءت

1068

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي