إغاثة اللهفان

عليه، فاحتال عليهم، وقال: إن هذا الصنم لا ينفع ولا يضرُّ، فلو جعلتم هذا العيد لميكائيل ملك الله تعالى، وجعلتم هذه الذبائح له، كان يشفع لكم عند الله، وكان خيرًا لكم من هذا الصنم! فأجابوه إلى ذلك، فكسر الصنم، وصيّره صُلبانًا، وسمى الكنيسة كنيسة ميكائيل، وسماها قيسارية، ثم احترقت الكنيسة وخربت، وصيّروا العيد والذبائح لميكائيل.

فنقلهم من [١٦٢ أ] كفر إلى كفر، ومن شرك إلى شرك.

فكانوا في ذلك كمجوسيٍّ أسلم، فصار رافضيًّا، فدخل الناس عليه يهنئونه، فدخل عليه رجل، وقال: إنك إنما انتقلت من زاوية من النار إلى زاوية أخرى.

ومن ذلك: عيد الصليب، وهو مما اختلقوه وابتدعوه فإن ظهور الصليب إنما كان بعد المسيح بزمن كثير، وكان الذي أظهره زورًا وكذبًا أخبرهم به بعض اليهود أن هذا هو الصليب الذي صُلب عليه إلههم وربهم.

فانظر إلى هذا السند، وهذا الخبر!

فاتخذوا ذلك الوقت الذي ظهر فيه عيدًا، وسمَّوه عيد الصليب، ولو أنهم فعلوا كما فعل أشباهُهم من الرافضة، حيث اَّتخذوا وقت قتل الحسين ﵁ مأتمًا وحزنًا، لكان أقرب إلى العقول.

وكان من حديث الصليب: أنه لما صُلب المسيح على زعمهم الكاذب، وقُتل ودفن، رُفع من القبر إلى السماء، وكان التلاميذ كلَّ يوم يصيرون إلى القبر إلى موضع الصلب ويصلُّون، فقالت اليهود: إن هذا الموضع لا يخفى، وسيكون له نبأ، وإذا رأى الناس القبر خاليًا آمنوا به، فطرحوا عليه التراب والزبل، حتى صار مَزْبلة عظيمة، فلما كان في أيام قُسطَنطين الملك جاءت

1068

زوجته إلى بيت المقدس تطلب الصليب، فجمعت من اليهود والسكان ببيت المقدس والخليل مئة رجل، واختارت منهم عشرة، واختارت من العشرة ثلاثة اسمُ أحدهم يهوذا، فسألتهم أن يدلّوها على الموضع، فامتنعوا وقالوا: لا علم لنا بالموضع، فطرحتهم في الحبس في جُبٍّ لا ماء فيه، فأقاموا سبعة أيام، لا يُطعَمون، ولا يُسقون، فقال يهوذا لصاحبيه: إن أباه عرّفه بالموضع الذي تطلب، فصاح الاثنان، فأخرجوهما، فخبّراها بما قال يهوذا، فأمرت بضربه بالسياط، فأقرّ، وخرج إلى الموضع الذي فيه المقبرة، وكان مَزْبلة عظيمة، فصلى، وقال: اللهم، إن كان في هذا الموضع، فاجعله أن يتزلزل ويخرج منه دخان، فتزلزل الموضع، وخرج منه دخان، فأمرت الملكة بكنس الموضع من التراب، فظهرت المقبرة، وأصابوا ثلاثة صُلْبَانٍ، فقالت الملكة: كيف لنا أن نعلم صليب سيدنا المسيح؟ وكان بالقرب منهم عليل شديد العلة، قد أُيس منه، فوُضع الصليب الأول عليه، ثم الثاني، ثم الثالث، فقام عند الثالث، واستراح من عِلّته، فعلمت أنه صليبُ المسيح، فجعلته في غلاف من ذهب، وحملته إلى قسطنطين.

وكان من ميلاد المسيح إلى ظهور هذا الصليب: ثلاث مئةٍ وثلاث١ وعشرون سنة.

هذا كله نقله سعيد بن بطريق النصراني في «تاريخه»٢.

والمقصود: أنهم ابتدعوا هذا العيد بنقل علمائهم بعد المسيح بهذه المدة.

  1. (١) ش: «ثمان».
  2. (٢) انظر تاريخه المسمى «نظم الجوهر».
1069

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي