إغاثة اللهفان

على موضع القتل والصلب، وعلموا أنهم إن لم يفعلوا لم يتخلَّصوا من عُقوبتها.

ومنها: أن عُبّاد الصليب يقولون: إن المسيح لما قُتل غار دمه، ولو وقع منه قَطرة على الأرض ليبستْ ولم تنبتْ.

فيا عجبًا! كيف يَحْيَا الميتُ، ويبرأ العليل بالخشبة التي شُهر عليها وصلب؟ أهذا كله من بركتها، وفرَحِها به، وهو مشدود عليها يبكي ويستغيث؟

ولقد كان الأليق أن يَتفَتّت الصليبُ ويضمحلّ لهيبة من صُلب عليه وعظمته، تُخسَف الأرض بالحاضرين عند صلبه، والمتمالئين عليه، بل تتفطّر السماوات، وتنشقّ الأرض، وتخرّ الجبال هَدًّا.

ثم يقال لعُبّاد الصليب: لا يخلو أن يكون المصلوب الناسوت وحده، أو مع اللاهوت:

فإن كان المصلوبُ هو الناسوت وحده، فقد فارقتهُ الكلمة، وبطل اتحادها به، وكان المصلوب جسدًا من الأجساد، ليس بإله، ولا فيه شيء من الإلهية والربوبية البتة.

وإن قلتم: إن الصَّلب وقع على اللاهوت والناسوت معًا، فقد أقررتم بصلب الإله وقتله وموته، وقدرة الخلق على أذاه، وهذا أبطلُ الباطل، وأمحلُ المحال.

فبطل تعلُّقكم بالصليب من كل وجه عقلًا وشرعًا.

وأما تلاعبه بهم في صلاتهم فمن وجوه:

1071

أحدها: صلاة كثير منهم بالنجاسة والجنابة، والمسيحُ بريء من هذه الصلاة، وسبحان الله أن يُتقَرّب إليه بمثل هذه الصلاة! فَقَدْره أعلى، وشأنه أجلُّ من ذلك.

ومنها: صلاتهم إلى مشرق الشمس، وهم يعلمون أن المسيح لم يصلّ إلى المشرق أصلًا، وإنما كان يُصلّي إلى قِبلة بيت المقدس.

ومنها: تصليبهم على وجوههم عند الدخول في الصلاة، والمسيحُ بريء من ذلك.

فصلاةٌ مفتاحها النجاسة، وتحريمها التصليب على الوجه، وقبلتها الشرق، وشعارها الشرك: كيف يخفى على العاقل أنها لا تأتي بها شريعة من الشرائع البتة؟

ولمَّا علمت الرّهبان والمطارنة والأساقفة أن مثل هذا الدِّين تنفرُ عنه العقول أعظم نُفْرة، شَدُّوه بالحِيَل والصُّوَر في الحيطان، بالذّهب واللازْوَرد والزّنجفر، وبالأرغُل، وبالأعياد المحدثة، ونحو ذلك مما يَرُوجُ على السفهاء وضعفاء العقول والبصائر.

وساعدهم ما عليه اليهود من القسوة، والغلظة، والمكر، والكذب، والبَهت، وما عليه كثير من المسلمين من الظّلم، والفواحش، والفجور، والبِدعة، والغلوّ في المخلوق، حتى يتخذه إلهًا من دون الله، واعتقادُ كثيرٍ من الجهّال أن هؤلاء من خواصّ المسلمين وصالحيهم.

فترَكّب من هذا وأمثاله تَمَسُّكُ القوم بما هم فيه، ورُؤيتهم أنه خيرٌ من كثير مما عليه المنتسبون إلى الإسلام من البِدَع، والفجور، والشرك، والفواحش.

1072

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي