[١٦٣ ب] على هذا القول المشهور أن قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ من كلام السامريّ وعُبّاد العجل معه.
وعن ابن عباس١ رواية أخرى: أن هذا من إخبار الله تعالى عن السامري أنه نسي أي ترك ما كان عليه من الإيمان.
والصحيح: القول الأول، والسياق يدل عليه.
ولم يذكر البخاريُّ في التفسير٢ غيره فقال: يقول: أخطأ الربّ.
فإنه لمَّا جعله إله موسى استحضر سؤالًا من بني إسرائيل يوردونه عليه، فيقولون له: إذا كان هذا إله موسى فلأي شيء ذهب عنه لموعد إلهه؟ فأجاب عن هذا السؤال قبل إيراده عليه بقوله: فنسي.
وهذا من أقبح تلاعب الشيطان بهم!
فانظر إلى هؤلاء، كيف اتخذوا إلهًا مصنوعًا مَصُوغًا من جَوْهر أرضي، إنما يكون تحت التراب، محتاجًا إلى سَبْك بالنار، وتصفية وتخليص لخبثه منه، مدقوقًا بمطارق الحديد، مقلَّبًا في النار مرة بعد مَرّة، قد نُحِت بالمبارد، وأحدث الصانع صورته وشكله على صورة الحيوان المعروف بالبلادة والذل والضيم، وجعلوه إله موسى، ونسبوه إلى الضلال، حيث ذهب يطلب إلهًا غيره؟
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢/ ٦٦، ١٨/ ٣٥٦).
(٢) (٨/ ٤٣٢) (مع الفتح).
قال محمد بن جرير١: وكان سببُ اتخاذهم العجل: ما حدثني به عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدثني إبراهيم بن بشار الرمادي، حدثنا سفيان بن عُيينة، حدثنا أبو سعيد، عن عِكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: لما هجم فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فَرَسٍ أدهم حصان، فلما هجم فرعون على البحر هابَ الحصانُ أن يقتحم في البحر، فمثَّل له جبريل على فرس أنثى، فلما رآها الحصان تَقَحّم خَلْفَها، قال: وعرف السامري جبريل، فقبض قَبْضة من أثر فرسه، قال: أخذ من تحت الحافر قبضة.
قال سفيان: وكان ابن مسعود يقرؤها: «فَقَبَضْتُ قَبْضةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرّسُولِ».
قال عكرمة عن ابن عباس: وأُلقِي في رُوع السامري: إنك لا تلقيها على شيء، فتقول: كُنْ كذا وكذا، إلا كان، فلم تَزَل القبضةُ معه في يده، حتى جاوز البحر، فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر، وغرَّق الله آل فرعون، قال موسى لأخيه هارون: اخْلُفْنِي في قَوْمي وأصْلِحْ، ومضى موسى لَموعد ربه، قال: وكان مع بني إسرائيل حُلِيٌّ من حلي آل فرعون قد استعاروه، فكأنهم تأثّموا منه، فأخرجوه لتنزل النارُ فتأكله، فلما جمعوه قال السامري بالقَبْضَة التي كانت في يده هكذا، فقذفها فيه وقال: كن عِجْلًا جَسَدًا له خُوَارٌ، فصار عجلًا جسدًا له خوار، فكان يدخل الريح من دُبُره ويخرج من فيه، يُسْمَعُ له صوت، ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾[طه: ٨٨]، فعكفوا على العجل يعبدونه، فقال هارون: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ