في أن القرآن متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [١٣ ب] وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾[يونس: ٥٧]، وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[الإسراء: ٨٢]، وقد تقدم أن جِماع أمراض القلب هي أمراض الشبهات والشهوات، والقرآن شفاء للنوعين:
ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يُبيِّن الحق من الباطل، فتزول أمراض الشُّبه المفسدة للعلم والتصور والإدراك، بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه، وليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات على المطالب العالية ــ من التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات المعاد، والنبوّات، ورد النِّحَل الباطلة والآراء الفاسدة ــ مثل القرآن؛ فإنه كفيل بذلك كله، متضمن له على أتمّ الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول، وأفصحها بيانًا، فهو الشفاء على الحقيقة من أدواء الشبه والشكوك، ولكن ذلك موقوف على فهمه ومعرفة المراد منه.
فمن رزقه الله ذلك أبصر الحق والباطل عِيانًا بقلبه، كما يرى الليل والنهار، وعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرائهم ومعقولاتهم: بين علوم لا ثقةَ بها، وإنما هي آراء وتقليد، وبين١ ظنون كاذبة لا تُغني من الحق شيئًا،
(١) م: «وهي».
وبين أمور صحيحة لا منفعة للقلب فيها، وبين علوم صحيحة قد وعّروا الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكلام في إثباتها، مع قلة نفعها، فهي «لحمُ جملٍ غَثٍّ، على رأس جبل وَعْر، لا سهلٌ فيُرتقَى، ولا سمينٌ فينتقل»١. وأحسنُ ما عند المتكلمين وغيرهم فهو في القرآن أصح تقريرًا وأحسن تفسيرًا، فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد، كما قيل:
لَوْلَا التَّنَافُسُ في الدُّنْيَا لَمَا وُضِعَتْكُتْبُ التَّنَاظُرِ لا «المُغْني» وَلا «العُمَدُ»
فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشُّبَه والشكوك، والفاضل الذكي يعلم أن الشبه والشكوك زادت بذلك.
ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام رسوله، ويحصلَ من كلام هؤلاء المتحيرين المتشككين الشاكِّين، الذين أخبر الواقف على نهايات أقدامهم بما انتهى إليه من مَرامهم، حيث يقول٣:
(١) جزء من حديث أم زرع الذي أخرجه البخاري (٥١٨٩)، ومسلم (٢٤٤٨) عن عائشة. وقد شرح هذا الحديث القاضي عياض في كتابه «بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد».
(٢) البيت الأول لأبي العلاء المعري في اللزوميات (١/ ٣٢١)، ومعجم الأدباء (١/ ٣٣٨)، و«المغني» و«العمد» كلاهما للقاضي عبد الجبار المعتزلي.
(٣) الأبيات للفخر الرازي في كتابه «أقسام اللذات»، وعنه نقلها شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (١/ ١٦٠) وغيره من مؤلفاته. وهي في وفيات الأعيان (٤/ ٢٥٠)، والوافي بالوافيات (٤/ ٢٥٧، ٢٥٨)، ونفح الطيب (٥/ ٢٣٢)، وعيون الأنباء (٣/ ٤٢، ٤٣)، وطبقات السبكي (٨/ ٩٦) وغيرها.