قال محمد بن جرير١: وكان سببُ اتخاذهم العجل: ما حدثني به عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدثني إبراهيم بن بشار الرمادي، حدثنا سفيان بن عُيينة، حدثنا أبو سعيد، عن عِكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: لما هجم فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فَرَسٍ أدهم حصان، فلما هجم فرعون على البحر هابَ الحصانُ أن يقتحم في البحر، فمثَّل له جبريل على فرس أنثى، فلما رآها الحصان تَقَحّم خَلْفَها، قال: وعرف السامري جبريل، فقبض قَبْضة من أثر فرسه، قال: أخذ من تحت الحافر قبضة.
قال سفيان: وكان ابن مسعود يقرؤها: «فَقَبَضْتُ قَبْضةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرّسُولِ».
قال عكرمة عن ابن عباس: وأُلقِي في رُوع السامري: إنك لا تلقيها على شيء، فتقول: كُنْ كذا وكذا، إلا كان، فلم تَزَل القبضةُ معه في يده، حتى جاوز البحر، فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر، وغرَّق الله آل فرعون، قال موسى لأخيه هارون: اخْلُفْنِي في قَوْمي وأصْلِحْ، ومضى موسى لَموعد ربه، قال: وكان مع بني إسرائيل حُلِيٌّ من حلي آل فرعون قد استعاروه، فكأنهم تأثّموا منه، فأخرجوه لتنزل النارُ فتأكله، فلما جمعوه قال السامري بالقَبْضَة التي كانت في يده هكذا، فقذفها فيه وقال: كن عِجْلًا جَسَدًا له خُوَارٌ، فصار عجلًا جسدًا له خوار، فكان يدخل الريح من دُبُره ويخرج من فيه، يُسْمَعُ له صوت، ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾[طه: ٨٨]، فعكفوا على العجل يعبدونه، فقال هارون: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ
وقال السّدي١: لما أمر الله موسى أن يَخرج ببني إسرائيل من أرض مصر، أمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا، وأمرهم أن يستعيروا الحُلِيّ من القِبْطِ، فلما نَجّى الله موسى ومَنْ معه من بني إسرائيل من البحر، وأغرق آل فرعون، أتى جبريلُ إلى موسى ليذهب به إلى الله، فأقبل على فرس، فرآه السامريّ، فأنكره، ويقال: إنه فرس الحياة، فقال حين رآه: إن لهذا لشأنًا، فأخذ من تربة حافر الفرس، فانطلق موسى ﵇، واستخلف هارونَ على بني إسرائيل، وواعدهم ثلاثين ليلةً، فأتمَّها الله تعالى بعشر، فقال لهم هارونُ: يا بني إسرائيل! إن الغنيمة لا تَحِلّ لكم، وإن حُليّ القِبْطِ إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعًا واحفروا لها حُفْرَة، [١٦٤] فادفنوها، فإن جاء موسى فأحلَّها أخذتموها، فجمعوا ذلك الحلي في تلك الحفرة، وجاء السامريّ بتلك القبضة، فقذفها، فأخرج الله من الحلي عجلًا جسدًا له خُوارٌ، فلما رأوه قال لهم السامري: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾، يقول: ترك موسى إلهه هاهنا، وذهب يطلبه، فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي، فقال لهم هارون: يا بني إسرائيل! ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ﴾ يقول: إنما ابتليتم بالعجل، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾، فأقام هارون ومن معه من بني إسرائيل لا يقاتلونهم، وانطلق موسى إلى الله يكلِّمه، فلما كلَّمه قال له: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا
(١) رواه الطبري في تفسيره (٩١٩) من طريق أسباط بن نصر عن السدي.