إغاثة اللهفان

وقال ابن إسحاق١: اخترتُ منهم سبعين رجلًا، الخيّر فالخيّر، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد؟ فما الذي يُصدّقوني به أو يأمنوني عليه بعد هذا؟

وعلى هذا فالمعنى: لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا، فكان بنو إسرائيل يُعاينون ذلك ولا يتَّهمونني.

وقال الزجَّاج٢: المعنى: لو شئت أمتَّهم من قبل أن تَبتليَهم بما أوجب عليهم الرجفة.

قلت: وهؤلاء كلهم حاموا حول المقصود.

والذي يظهر ــ والله [١٦٥ ب] أعلم بمراده ومراد نبيِّه ــ: أن هذا استعطافٌ من موسى ﵇ لربّه، وتوسُّلٌ إليه بعفوه عنهم من قَبْلُ حين عبد قومهم العجل ولم يُنكروا عليهم، يقول موسى: إنهم قد تَقَدّمَ منهم ما يقتضي هلاكهم ومع هذا فوسعهم عفوُك ومغفرتك ولم تُهلكهم، فليَسعهم اليوم ما وسعهم من قبلُ.

وهذا كما يقول مَنْ واخَذه سيّده بجُرم: لو شئت واخذتَني من قبل هذا بما هو أعظم من هذا الجُرم، ولكن وسعني عفوُك أولًا، فليسعني اليوم.

ثم قال نبي الله: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥].

فقال ابن الأنباري وغيره: هذا استفهام على معنى الجَحْد أي: لست تفعل ذلك.

  1. (١) رواه الطبري في تفسيره (٩٥٧، ١٥١٦٩).
  2. (٢) معاني القرآن (٢/ ٣٨٠).
1084

والسفهاء هنا: عَبَدَةُ العجل.

قال الفراء١: ظنّ موسى أنهم أُهلكوا باتخاذ قومهم العجل، فقال: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ وإنما كان إهلاكهم بقولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣].

ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] وهذا من تمام الاستعطاف أي: ما هي إلا ابتلاؤك واختبارك لعبادك، فأنت ابتليتهم وامتحنتهم، فالأمر كلُّه لك وبيدك، لا يَكشفه إلا أنت، كما لم يمتحن به ويختبر به إلا أنت، فنحن عائذون بك منك، ولاجئون منك إليك.

فصل

ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة وكيده لهم: أنهم قيل لهم وهم مع نبيّهم، والوحي ينزل عليه من الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨].

قال قتادة٢، وابن زيدٍ٣، والسدي٤، وابن جرير٥ وغيرهم: هي قرية بيت المقدس.

  1. (١) معاني القرآن له (١/ ٣٩٥).
  2. (٢) رواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٤٦) عن معمر عن قتادة، ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبري في تفسيره (٩٩٩) وابن أبي حاتم في تفسيره (٥٦٩).
  3. (٣) الذي رواه عنه الطبري في تفسيره (١٠٠٢) هو قوله: «هي أريحا، وهي قريبة من بيت المقدس».
  4. (٤) رواه الطبري في تفسيره (١٠٠٠) من طريق أسباط بن نصر عن السدي.
  5. (٥) جامع البيان (٢/ ١٠٢).
1085

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي