إغاثة اللهفان

وبين أمور صحيحة لا منفعة للقلب فيها، وبين علوم صحيحة قد وعّروا الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكلام في إثباتها، مع قلة نفعها، فهي «لحمُ جملٍ غَثٍّ، على رأس جبل وَعْر، لا سهلٌ فيُرتقَى، ولا سمينٌ فينتقل»١. وأحسنُ ما عند المتكلمين وغيرهم فهو في القرآن أصح تقريرًا وأحسن تفسيرًا، فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد، كما قيل:

لَوْلَا التَّنَافُسُ في الدُّنْيَا لَمَا وُضِعَتْكُتْبُ التَّنَاظُرِ لا «المُغْني» وَلا «العُمَدُ»
يُحَلِّلُونَ بِزَعْمٍ مِنْهُمُ عُقَدًاوبالَّذِي وَضَعُوهُ زَادَتِ العُقَدُ٢

فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشُّبَه والشكوك، والفاضل الذكي يعلم أن الشبه والشكوك زادت بذلك.

ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام رسوله، ويحصلَ من كلام هؤلاء المتحيرين المتشككين الشاكِّين، الذين أخبر الواقف على نهايات أقدامهم بما انتهى إليه من مَرامهم، حيث يقول٣:

  1. (١) جزء من حديث أم زرع الذي أخرجه البخاري (٥١٨٩)، ومسلم (٢٤٤٨) عن عائشة. وقد شرح هذا الحديث القاضي عياض في كتابه «بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد».
  2. (٢) البيت الأول لأبي العلاء المعري في اللزوميات (١/ ٣٢١)، ومعجم الأدباء (١/ ٣٣٨)، و«المغني» و«العمد» كلاهما للقاضي عبد الجبار المعتزلي.
  3. (٣) الأبيات للفخر الرازي في كتابه «أقسام اللذات»، وعنه نقلها شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (١/ ١٦٠) وغيره من مؤلفاته. وهي في وفيات الأعيان (٤/ ٢٥٠)، والوافي بالوافيات (٤/ ٢٥٧، ٢٥٨)، ونفح الطيب (٥/ ٢٣٢)، وعيون الأنباء (٣/ ٤٢، ٤٣)، وطبقات السبكي (٨/ ٩٦) وغيرها.
71
نهَايَةُ إِقدَامِ العُقُولِ عِقَالُوَأَكثَرُ سعْي العَالمِينَ ضَلَالُ
وَأَرْوَاحُنَا في وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَاوَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ
وَلمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمرِنَاسِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيه قِيلَ وَقَالُوا

لقد تأملتُ الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تُروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، ومن جرّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي».

فهذا إنشاده وألفاظه في آخر كتبه، وهو أفضل أهل زمانه على الإطلاق في علم الكلام والفلسفة. وكلام أمثاله في مثل ذلك كثير جدًا، قد ذكرناه في كتاب «الصواعق»١ وغيره، وذكرنا قول بعض العارفين بكلام هؤلاء: «آخر أمر المتكلمين الشك، وآخر أمر المتصوفين الشطح». والقرآن يُوصِلك إلى نفس اليقين [١٤ أ] في هذه المطالب التي هي أعلى مطالب العباد، ولذلك أنزله من تكلم به، وجعله شفاءً لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين.

وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة؛ بالترغيب والترهيب، والتزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، والأمثال والقَصص التي فيها أنواع العبر والاستبصار، فيرغب القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه في معاشه ومعاده، ويرغب عمَّا يضرُّه، فيصير القلب محبًّا للرشد، مبغضًا للغيِّ، فالقرآن مزيل للأمراض الموجِبَةِ للإرادات

  1. (١) انظر: الصواعق المرسلة (١/ ١٦٧) واجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٤٦٩).
72

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي