إغاثة اللهفان

مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٠٦، ١٠٧].

فأخبر سبحانه أن عموم قُدْرته ومُلْكِه وتَصرّفه في مملكته وخَلقِه لا يمنعه أن يَنْسَخَ ما يشاء، ويُثْبتَ ما يشاء، كما أنه [١٦٩ أ] يمحو من أحكامه القَدَريّة الكونية ما يشاء ويُثبتُ، فهكذا أحكامُه الدينية الأمْرية، ينسخُ منها ما يشاء، ويُثبتُ منها ما يشاء.

فمن أكفر الكفر، وأظلم الظلم: أن يُعارَض الرسول الذي جاء بالبينات والهدى، وتُدْفَع نُبُوّتُه، وتُجْحَد رسالته، بكونه أتى بإباحة بعض ما كان مُحَرّمًا على مَنْ قَبْله، أو بتحريم بعض ما كان مباحًا لهم. وبالله التوفيق، يُضلّ مَنْ يشاء ويهدي من يشاء.

ومن العجب أن هذه الأمة الغضبية تَحجُر على الله تعالى أن ينسخ ما يشاء من شرائعه، وقد تركوا شريعة موسى ﵇ في أكثر ما هم عليه، وتمسّكوا بمَا شرعه لهم أحبارهم وعلماؤهم.

فمن ذلك: أنهم يقولون في صلواتهم ما ترجمته هكذا: «اللهم! اضربْ ببُوق عظيم لفيفنا، واقْبضنا جميعًا من أربعة أقطار الأرض إلى قُدُسِك، سبحانك يا جامع شتاتِ قومه إسرائيل».

ويقولون كل يوم ما ترجمته هكذا: «ارْدُد حُكَّامنا كالأولين، ومشيرينا كالابتداء، وابْنِ أورشَليم قرية قُدْسِك في أيامِنا، وأَعِزَّنا ببنيانها١، سبحانك يا باني يُورشليم».

  1. (١) م: «وعزنا بنيانها».
1107

فهذا قولهم في صلاتهم، مع علمهم بأن موسى وهارون ﵉ لم يقولا شيئًا من ذلك، ولكنها فصولٌ لَفَّقُوها بعد زوال دولتهم.

وكذلك صيامُهم كصوم إحراق بيت المقدس، وصوم حصبا، وصوم كَدَلْيا التي جعلوها فرضًا، لم يَصُمْها موسى، ولا يُوشَع بن نون، وكذلك صومُ صَلبِ هامان، ليس شيء من ذلك في التوراة، وإنما وضعوها لأسبابٍ اقتضت وَضْعَهَا عندهم.

هذا مع أنه في التوراة ما ترجمته: «لا تزيدوا على الأمر الذي أنا مُوصيكم به شيئًا، ولا تَنقصوا منه شيئًا».

وقد تضمنت التوراة أوامر كثيرة جدًّا، هم مجمعون على تعطيلها وإلغائها، فإما أن تكون منسوخةً بنصوصٍ أخرى من التوراة، أو بنقلٍ صحيح عن موسى ﵇، أو باجتهاد علمائهم وأحبارهم.

وعلى التقادير الثلاثة: فقد بطلت شُبْهتهم في إنكار النسخ.

ثم من العجب: أن أكثر تلك الأوامر التي هم مجمعون على عدم القول بها والعمل بها: إنما يستندون فيها إلى أقوال علمائهم وآرائهم، وقد اتفقوا على تعطيل الرّجْم للزّاني، وهو نصُّ التوراة، وتعطيل أحكام كثيرة منصوصةٍ في التوراة.

ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم يزعمون أن الفقهاء إذا أحلّوا لهم الشيء صار حلالًا، وإذا حرّموه صار حرامًا، وإن كان نصّ التوراة بخلافه.

وهذا تجويزٌ منهم لنسخهم ما شاءوا من شريعة التوراة، فحجروا على الربّ تعالى وتقدس أن يَنسخ ما يريد من شريعته، وجَوّزوا ذلك لأحبارهم وعلمائهم.

1108

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي