إغاثة اللهفان

فهذا قولهم في صلاتهم، مع علمهم بأن موسى وهارون ﵉ لم يقولا شيئًا من ذلك، ولكنها فصولٌ لَفَّقُوها بعد زوال دولتهم.

وكذلك صيامُهم كصوم إحراق بيت المقدس، وصوم حصبا، وصوم كَدَلْيا التي جعلوها فرضًا، لم يَصُمْها موسى، ولا يُوشَع بن نون، وكذلك صومُ صَلبِ هامان، ليس شيء من ذلك في التوراة، وإنما وضعوها لأسبابٍ اقتضت وَضْعَهَا عندهم.

هذا مع أنه في التوراة ما ترجمته: «لا تزيدوا على الأمر الذي أنا مُوصيكم به شيئًا، ولا تَنقصوا منه شيئًا».

وقد تضمنت التوراة أوامر كثيرة جدًّا، هم مجمعون على تعطيلها وإلغائها، فإما أن تكون منسوخةً بنصوصٍ أخرى من التوراة، أو بنقلٍ صحيح عن موسى ﵇، أو باجتهاد علمائهم وأحبارهم.

وعلى التقادير الثلاثة: فقد بطلت شُبْهتهم في إنكار النسخ.

ثم من العجب: أن أكثر تلك الأوامر التي هم مجمعون على عدم القول بها والعمل بها: إنما يستندون فيها إلى أقوال علمائهم وآرائهم، وقد اتفقوا على تعطيل الرّجْم للزّاني، وهو نصُّ التوراة، وتعطيل أحكام كثيرة منصوصةٍ في التوراة.

ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم يزعمون أن الفقهاء إذا أحلّوا لهم الشيء صار حلالًا، وإذا حرّموه صار حرامًا، وإن كان نصّ التوراة بخلافه.

وهذا تجويزٌ منهم لنسخهم ما شاءوا من شريعة التوراة، فحجروا على الربّ تعالى وتقدس أن يَنسخ ما يريد من شريعته، وجَوّزوا ذلك لأحبارهم وعلمائهم.

1108

كما تَكَبّر إبليس أن يسجد لآدم، ورأى أن ذلك يغضُّ منه، ثم رضي أن يكون قَوَّادًا لكل عاصٍ وفاسقٍ.

وكما أَنِفَ١ عُبّادُ الأصنام أن يكون النبيُّ المرسَلُ إليهم بشرًا، ثم رَضُوا أن يكون إلههُمْ ومعبودُهم حجرًا.

وكما نَزّهت النصارَى بَتَارِكَهم عن الولَدِ والصاحبة، ولم يَتحاشَوْا من نِسبة ذلك إلى الله سبحانه تعالى.

وكما نزّهَت الفرعونية من الجهمية الربَّ سبحانه أن يكون مستويًا على عرشه لئلا يلزَم الحصر، ثم جعلوه سبحانه في الآبار والحانات، وأجواف الحيوانات!

فصل

ومن تلاعب الشيطان بهم: ما شدّدوه على أنفسهم في باب الذبائح وغيرها، مما ليس له أصل عن موسى ﵇، ولا هو في التوراة، وإنما هو من أوضاع الحخاميم وآرائهم، وهم فقهاؤهم.

ولقد كان لهذه الأمة في قديم الزمان بالشام والعراق والمدائن مدراسُ وفقهاء كثيرون، وذلك في زمن دولة البابليّين والفُرْس، ودولة اليونان والروم، حتى اجتمع [١٦٩ ب] فقهاؤهم في بعض تلك الدول على تأليف المِشْنَا والتلمود.

فأما المِشْنا فهو الكتاب الأصغر، ومبلغُ حجمه نحو ثمان مئة ورقة.

وأما التلمود فهو الكتاب الأكبر، ومبلغه نحو نِصْف حمل بَغْل لكثرته.

  1. (١) كذا في م. وفي بقية النسخ: «أبى».
1109

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي