إغاثة اللهفان

كما تَكَبّر إبليس أن يسجد لآدم، ورأى أن ذلك يغضُّ منه، ثم رضي أن يكون قَوَّادًا لكل عاصٍ وفاسقٍ.

وكما أَنِفَ١ عُبّادُ الأصنام أن يكون النبيُّ المرسَلُ إليهم بشرًا، ثم رَضُوا أن يكون إلههُمْ ومعبودُهم حجرًا.

وكما نَزّهت النصارَى بَتَارِكَهم عن الولَدِ والصاحبة، ولم يَتحاشَوْا من نِسبة ذلك إلى الله سبحانه تعالى.

وكما نزّهَت الفرعونية من الجهمية الربَّ سبحانه أن يكون مستويًا على عرشه لئلا يلزَم الحصر، ثم جعلوه سبحانه في الآبار والحانات، وأجواف الحيوانات!

فصل

ومن تلاعب الشيطان بهم: ما شدّدوه على أنفسهم في باب الذبائح وغيرها، مما ليس له أصل عن موسى ﵇، ولا هو في التوراة، وإنما هو من أوضاع الحخاميم وآرائهم، وهم فقهاؤهم.

ولقد كان لهذه الأمة في قديم الزمان بالشام والعراق والمدائن مدراسُ وفقهاء كثيرون، وذلك في زمن دولة البابليّين والفُرْس، ودولة اليونان والروم، حتى اجتمع [١٦٩ ب] فقهاؤهم في بعض تلك الدول على تأليف المِشْنَا والتلمود.

فأما المِشْنا فهو الكتاب الأصغر، ومبلغُ حجمه نحو ثمان مئة ورقة.

وأما التلمود فهو الكتاب الأكبر، ومبلغه نحو نِصْف حمل بَغْل لكثرته.

  1. (١) كذا في م. وفي بقية النسخ: «أبى».
1109

ولم يكن الفقهاء الذين ألّفوه في عصر واحد، وإنما ألفوه جيلًا بعد جيل، فلمَّا نظر المتأخِّرون منهم إلى هذا التأليف، وأنه كلَّما مَرّ عليه الزمان زادوا فيه، وأن في الزيادات المتأخّرة ما يُناقضُ أوائل هذا التأليف، علموا أنهم إن لم يَقْطعوا ذلك ويمنعوا من الزيادة فيه، أدى إلى الخلل الذي لا يمكن سده، قطعوا الزيادة فيه، ومنعوا منها، وحظروا على الفقهاء الزيادة فيه، وإضافة شيء آخر إليه، وحرموا مَنْ يُضيف إليه شيئًا آخر، فوقف على ذلك المقدار.

وكانت أئمتهم قد حَرّموا عليهم في هذين الكتابين مُؤاكلة الأجانب وهم مَنْ كان على غير مِلّتهم، وحظروا عليهم أكل اللُّحمان من ذبيحة مَنْ لم يكن على دينهم لأن علماءهم علموا أن دينهم لا يبقى في هذه الخلوة، مع كونهم تحت الذل والعبودية، إلا أن يصُدّوهم عن مخالطة مَنْ هو على غير ملَّتهم، فحرَّموا عليهم الأكل من ذبائحهم، ومناكحتهم، ولم يمكنهم تقرير ذلك إلا بحجة يبتدعونها من أنفسهم، ويكذبون بها على الله تعالى، لأن التوراة إنما حرمت عليهم مناكحة غيرهم من الأمم لئلا يوافقوا الأزواج في عبادة الأصنام والشرك بالله، وحرَّم عليهم في التوراة أكل ذبائح الأمم التي يذبحونها قُربانًا إلى الأصنام لأنه قد سُمّي عليها اسمُ غير الله تعالى، فأما الذبائحُ التي لم تُذبح قُربانًا للأصنام فلم تنطق التوراة بتحريمها، وإنما نطقت بإباحة الأكل من أيدي غيرهم من الأمم، وموسى ﵇ إنما نهاهم عن مناكحة عبَّاد الأصنام، وأكل ما يذبحونها على اسمها، فما بالُ هؤلاء لا يأكلون من ذبائح المسلمين، وهم لا يذبحون للأصنام، ولا يذكرون اسمها عليها؟

1110

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي