إغاثة اللهفان

قصة يوسف ﵇، لما جاء إخوته على قميصه بدمٍ كذبٍ، وزعموا أن الذئب افترسه.

وقال في التوراة: «ولحمًا في الصحراء [١٧٠ أ] فريسة لا تأكلوا»، والفريسة إنما توجد غالبًا في الصحراء.

وكان سبب نزول هذا عليهم: أنهم كانوا ذوي أخبية، يسكنون البر لأنهم مكثوا يتردَّدون في البرِّ والتِّيه أربعين سنة، كانوا لا يجدون طعامًا إلا المَنّ والسّلْوَى، وهو طائر صغير يُشبه السمان، وفيه من الخاصية: أن أكل لحمه يُلَيّن القلب، ويذهب بالحزون والقساوة فإن هذا الطائر يموت إذا سمع صوت الرعد، كما أن الخُطّاف يقتله البَرْدُ، فألهمه الله ﷾ أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون بها مَطَرٌ ولا رَعْد، إلى انقضاء أوانِ المطر والرعد، فيخرج من الجزائر، وينتشر في الأرض.

فجلب الله تعالى إليهم هذا الطائر لينتفعوا به، ويكون اغتذاؤهم به كالدواء لغلظ قلوبهم وقسوتها.

والمقصود: أن مشايخهم تعدَّوا في تفسير الطريفا عن موضوعها وما أريد بها.

وكذلك فقهاؤهم اختلقوا من أنفسهم هذيانات وخرافات تتعلق بالرّئة والقلب، وقالوا: ما كان من الذبائح سليمًا من تلك الشروط فهو (دخنا)، ومعنى هذه اللفظة: أنه طاهر، وما كان خارجًا عن هذه الشروط فهو (طريفا)، وتفسيرها: أنه حرام.

قالوا: ومعنى نص التوراة: «ولحمًا فريسة في الصحراء لا تأكلوه، وللكلب ألقوه» أي: إنكم إذا ذبحتم ذبيحة، ولم توجد فيها هذه الشروط، فلا

1112

تأكلوها، بل تبيعونها على من ليس من أهل ملتكم.

وفسَّروا قوله: «للكلب ألقوه» أي: لمن ليس من أهل مِلّتكم فأطعموه وبيعوه، وهم أحق بهذا اللقب، وأشبه بالكلاب.

ثم إن هذه الأمة الغضبية فرقتان:

إحداهما: عرفوا أن أولئك السلف الذين ألفوا المِشْنا والتلمود، وهم فقهاء اليهود، كذبوا على الله وعلى موسى النبي، وهم أصحابُ حماقات وتَنَطُّع، ودعاوَى كاذبة، يزعمون أنهم كانوا إذا اختلفوا في شيء من تلك المسائل يُوحي الله تعالى إليهم بصوت يسمعه جمهورهم، يقول: الحق في هذه المسألة مع فلان، ويسمون هذا الصوت: (بَثْ قُول).

فلما نظرت اليهود القرَّاؤون١ وهم أصحاب عانان وبنيامين إلى هذه المحالات الشنيعة، وهذا الافتراء الفاحش، والكذب البارد، انفصلوا بأنفسهم عن الفقهاء، وعن كل من يقول بمقالاتهم، وكذَّبوهم في كل ما افتروا على الله، وزعموا أنه لا يجوز قبول شيءٍ من أقوالهم، حيث ادَّعَوا أن الله تعالى كان يوحي إليهم كما يوحي إلى الأنبياء.

وأما تلك الترَّهات التي ألفها الحخاميم وهم فقهاؤهم، ونسبوها إلى التوراة وإلى موسى، فإن القَّرَّائين اطَّرَحُوها كلها، وألغَوْها، ولم يحرِّموا شيئًا من الذبائح التي يتولَّون ذبيحتها البتة، ولم يحرموا سوى لحم الجَدْيِ بلبن أمه فقط، مراعاةً لنص التوراة: «لا يُنْضَجُ الجدي بلبن أمه»، وليسوا بأصحاب قياس، بل أصحاب ظاهر فقط.

  1. (١) م: «القرابون».
1113

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي