أن يهوديًّا جلس على قارعة الطريق يوم السبت، أو اشترى لبنًا من مُسلم ثَلَبَه وسَبّه في مجمع اليهود، وأباح عِرْضَه، ونسبه إلى قلة الدين.
فصل
ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة الغضبية: أنهم إذا رأوا الأمر أو النهي مما أُمروا به أو نُهوا عنه شاقًّا عليهم، طلبوا التخلُّص منه بوجوه الحيل، فإن أعْيَتْهُمُ الحِيلةُ قالوا: هذا كان علينا لمَّا كان لنا الملك والرياسة.
فمن ذلك: أنهم أمروا إذا أقام أخَوَانِ في موضع واحد، ومات أحدُهما ولم يُعْقِبْ ولدًا، فلا تخرج امرأة الميت إلى رجلٍ أجنبي، بل ولد حميها ينكحها، وأول ولدٍ يُولِدُها يُنسبُ إلى أخيه الدارج، فإن أبى أن ينكحها خَرَجَتْ مُشتكيةً منه إلى مشيخة قومه، تقول: قد أبى ابن حمِي أن يستبقي اسمًا لأخيه في إسرائيل، ولم يُرِدْ نكاحي، فيُحضره الحاكم هناك، ويكلِّفه أن يقف ويقول: ما أردتُ نكاحها، فتتناولُ المرأة نَعْله، فتخرجه من رجله، وتمسكه بيدها، وتبصق في وجهه، وتنادي عليه: كذا فَليُصْنَعْ بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه، ويُدْعَى فيما بعد بالمخلوع النعل، ويُنْبَزُ بَنُوه ببني مخلوع النعل.
هذا كله مفترض عليهم فيما يزعمون في التوراة.
وفيه حكمة مُلجئة للرجل إلى نكاح زوجة أخيه الدارج، فإنه [١٧١ أ] إذا علم أن ذلك يناله إن لم ينكحها آثر نكاحها عليه، فإن كان مبغضًا لها زهدًا في نكاحها، أو كانت هي زاهدةً في نكاحه مبغضة له، استخرج لهما الفقهاء حيلةً يتخلَّص بها منها، وتتخلَّص منه، فيلزمونها الحضور عند الحاكم بمحضرٍ من مشايخهم، ويُلَقّنونها أن تقول: أبى ابن حمي أن يقيم لأخيه
اسمًا في إسرائيل، لم يُرد نكاحي، فيلزمونها بالكذب عليه لأنه أراد نكاحها وكرهته هي، فإذا لقَّنوها هذه الألفاظ قالتها، فيأمرونه بالكذب، وأن يقوم ويقول: ما أردت نكاحها، ولعل ذلك سُؤْلُه وأمنيَّته، فيأمرونه بأن يكذب، ولم يَكفهم أن كذبوا عليه، وألزموه أن يكذب، حتى سلَّطوها على الإخراق به، والبصاق في وجهه، ويسمون هذه المسألة: «البياما والحالوس».
وقد تقدم من التنبيه على حيلهم في استباحة محارم الله تعالى بعضُ ما فيه كفاية.
فالقوم بيتُ الحيل والمكر والخبْث.
وقد كانوا يتنوّعون في عهد رسول الله ﷺ بأنواع الحيلِ والكيد والمكر عليه وعلى أصحابه، ويرُدّ الله ﷾ ذلك كلَّه عليهم.
فتحيَّلوا عليه، وأرادوا قتله مرارًا، والله تعالى ينجِّيه من كيدهم:
فتحيَّلوا عليه، وصعدوا فوق سطح، وأخذوا رحًى، أرادوا طرحها عليه وهو جالس في ظِلّ حائط، فأتاه الوحي، فقام منصرفًا وأخذ في حربهم وإجلائهم١.
(١) وهم بنو النضير، روى قصةَ مكرهم أبو نعيم في الدلائل (٤١٢)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ١٨٠) من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير، ورواها أبو نعيم في الدلائل (٤١١) من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس، ورواها الطبري في تاريخه (٢/ ٨٣، ٨٤)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٣٥٤) من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن رومان، ورواها البيهقي في الدلائل (٣/ ١٨٠) بسنده إلى موسى بن عقبة بها، وانظر: السيرة النبوية لابن هشام (٤/ ١٤٤)، والطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٥٧).