إغاثة اللهفان

آبائنا! امْلِكْ على جميع أهل الأرض، ليقول كل ذي نَسَمةٍ: اللهُ إلهُ إسرائيل قد ملك، ومملكته في الكُلّ متسلطة».

ويقولون في هذه الصلاة أيضًا: «وسيكون لله تعالى الملك، وفي ذلك اليوم يكون الله تعالى واحدًا، واسمه واحدًا».

ويعنون بذلك: أنه لا يظهر أن الملك لله تعالى إلا إذا صارت الدولة لليهود الذين هم صفوته وأمّته، فأما ما دامت الدولةُ لغير اليهود فإنه ﷾ خاملُ الذكر عند الأمم، مطعونٌ في ملكه، مشكوكٌ في قدرته.

فصل

ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم مُولَعون بالقَدْحِ في الأنبياء وأذيَّتهم.

وقد آذوا موسى ﵇ في حياته، ونسبوه إلى ما بَرّأه الله تعالى منه، ونهى الله سبحانه هذه الأمة عن الاقتداء بهم في ذلك، حيث يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩].

وثبت في «الصحيحين»١ من حديث أبى هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «كانت بنو إسرائيل يغتسلون عُراةً، يَنْظُر بعضهم إلى سَوْأة بعض، وكان موسى ﵇ يغتسلُ وحده، فقالوا: والله ما يمنعُ موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدَرُ، فذهب موسى يغتسل فوضع ثوبه على حجر، فَفَرّ الحجرُ بثوبه، قال: فجمح موسى بأثره، يقول: ثوبي حَجَرُ، ثوبي حَجَرُ! حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سَوْأة موسى، وقالوا: والله ما بموسى بأس، فقام

  1. (١) البخاري (٢٧٨، ٣٤٠٤)، ومسلم (٣٣٩).
1123

الحجر، حتى نظر إليه بنو إسرائيل، وأخذ ثوبه، وطفق بالحجر ضربًا».

قال أبو هريرة: والله إنه بالحجر نَدَبٌ ستة أو سبعة من أثر ضرب موسى الحجر، وأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾.

وقال ابن جرير١: حدثنا ابن حُميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قالت بنو إسرائيل: إن موسى آدَرُ، وقالت طائفة: هو أبرص من شدّة تَسَتُّره.

وقال ابن سيرين، عن أبى هريرة، عن النبي ﷺ: «كان موسى رجلًا حَيِيًّا سِتّيرًا، لا يكاد يُرى من جلده شيء استحياءً منه، فآذاه مَنْ آذاه من بني إسرائيل، وقالوا: ما يتستَّر هذا التَّسَتُّرَ إلا من عيب بجلده، إما بَرَصٍ، وإما أُدْرَةٍ، وإما آفةٍ! وإن الله تعالى أراد أن يُبرِّئه مما قالوا ...» وذكر الحديث٢.

وقال سفيان بن حسين، عن الحكم، عن ابن جُبير، عن ابن عباس، عن علي بن أبى طالب٣ في قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾

  1. (١) جامع البيان (٢٠/ ٣٣٣).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٣٤٠٤).
  3. (٣) رواه ابن منيع كما في إتحاف الخيرة (٥٧٩١) والطبري في تفسيره (٢٠/ ٣٣٤ - ٣٣٥) والطحاوي في شرح المشكل (١/ ٦٨) وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير (٦/ ٤٨٦) وغيرهم عن عباد بن العوام عن سفيان به، ومن طريق ابن منيع رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦١/ ١٧٢) والضياء في المختارة (٦١١)، ومن طريق الطبري رواه الثعلبي في تفسيره (٨/ ٦٦)، وصححه الحاكم (٤١١٠)، والبوصيري، وابن حجر في المطالب العالية (٣٤٥٥)، وحسنه في الفتح (٦/ ٤٣٨، ٨/ ٥٣٥) وقال: «وفي الإسناد ضعف».
1124

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي