إغاثة اللهفان

يسْتبقين منه نَسْلًا، فقالت الكبرى للصغرى: إن أبانا شيخ، ولم يَبْقَ في الأرض إنسان يأتينا كسبيل البشر، فهَلُمّي نسقي أبانا خمرًا ونضاجعه، لنستبقي من أبينا نسلًا، ففعلتا ذلك بزعمهم!

فنسبوا إلى النبي أنه سكر، حتى لم يعرف ابنتيه، ثم وطئهما وأحبلهما وهو لا يعرفهما، فولدت إحداهما ولدًا سمَّته: «مواب» يعني: أنه من الأب، والثانية سمت ولدها: «ابن عمي» يعنى: أنه من قبيلها.

وقد أجاب بعضهم عن هذا: بأنه كان قبل نزول التوراة، فلم يكن نكاحُ الأقارب حرامًا!

والتوراة تكذِّبهم، فإن فيها: «أن إبراهيم الخليل خاف في ذلك العصر أن يقتله المصريون، حسدًا له على زوجته سارَة، فأخفى نكاحها، وقال: هي أختي، علمًا منه بأنه إذا قال ذلك لم يَبْقَ للظنون إليهما سبيل».

وهذا أظهرُ دليل على أن تحريم١ نكاح الأخت كان ثابتًا في ذلك الزمان، فما ظنك بنكاح البنت الذي لم يشرع ولا في زمن آدم ﵇؟

وعندهم أيضًا في التوراة التي بأيديهم قصةٌ أعجبُ من هذه!

وهي: أن يهوذا بن يعقوب النبي زوّج ولده الأكبر من امرأة يقال لها: تامار، فكان يأتيها مُستدبرًا، فغضب الله تعالى من فعله، فأماته، فزوَّج يهوذا ولده الآخر بها، فكان إذا دخل بها أنزل على الأرض، علمًا منه بأنه إن أولدها كان أول الأولاد مدعوًّا باسم أخيه، ومنسوبًا إلى أخيه، فكره الله تعالى ذلك من فعله، فأماته أيضًا، فأمرها يهوذا باللحاق ببيت أبيها إلى أن يكبر شيلا

  1. (١) «تحريم» ساقطة من م.
1126

ولدُه، ويتمَّ عقله، حذرًا من أن يصيبه ما أصاب أخويه، فأقامت في بيت أبيها، ثم ماتت من بعدُ زوجةُ يهوذا، وصعد إلى منزل ليحرس غنمه، فلما أُخبرت المرأة (تامار) بإصعاد حَمْوِها إلى المنزل لبست زيّ الزواني، وجلست في مستشرف على طريقه، لعلمها بشَبَقِهِ، فلما مَرّ بها خالَها زانيةً، فراودها، فطالبته بالأجرة، فوعدها بجَدْي، ورهن عندها عصاه وخاتمه، ودخل بها، فعَلِقَتْ منه، فلمّا أُخْبِرَ يهوذا أن كِنّتَهُ عَلِقَتْ من الزنى أفتى بإحراقها، فبعثت إليه بخاتمه وعصاه، فقالت: مِنْ رَبِّ هذين أنا حامل، فقال: صدقتِ، ومتى ذلك؟ واعتذر بأنه لم يعرفها، ولم يستحلّ معاودتها، ولا تسليمها إلى ولده، وعلقت من هذا الزنى بعارض، قالوا: ومِنْ وَلَدِها داود النبي.

وفي ذلك من نسبتهم الزنى والكفر إلى أهل بيت النبوة ما يُقارب ما نسبوه إلى لوط ﵇.

وهذا كله عندهم وفي نصّ كتابهم، وهم يجعلون هذا نسبًا لداود وسليمان ﵉، ولمسيحهم المنتظر.

ومن العجب أنهم يجعلون المسلمين أولاد زنى، ويسمّونهم١ ممازير، واحدها مَمْزِير، وهو اسم لولد الزنى، لأن شرعهم أن الزوج إذا راجع زوجته بعد أن نكحت زوجًا غيره فأولادهما أولاد زنى.

وزعموا أن ما جاءت به شريعة الإسلام من ذلك هو من موضوعات عبد الله بن سلام، قصد به أن يجعل أولاد المسلمين ممازير بزعمهم.

قالوا: وكان محمد ﷺ قد رأى أحلامًا تدلّ على أنه صاحب دولة،

  1. (١) «ويسمونهم» ساقطة من م.
1127

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي