إغاثة اللهفان

سراويل سيدته، وأنه قعد منها مقعد الرجل من المرأة، وأن الحائط انشقّ له، فرأى أباه يعقوب ﵇ عاضًّا على أنامله، فلم يَقُمْ حتى نزل عليه جبريل ﵇ فقال: يا يوسف! تكون من الزّناة، وأنت معدود عند الله تعالى من الأنبياء؟ فقام حينئذٍ.

ومعلومٌ أن ترك الفاحشة عن هذا لا مدح فيه، فإن أفسق الناس لو رأى ذلك لولّى هاربًا وترك الفاحشة!

ومنهم مَنْ يزعم أن المسيح كان من العلماء، وأنه كان يُداوي المرضى بالأدوية، ويوهمهم أن الانتفاع إنما حصل لهم بدعائه، وأنه داوَى جماعة من المرضي في يوم السبت، فأنكرت عليه اليهودُ ذلك، فقال لهم: أخبروني عن الشاة من الغنم إن وَقعت في بئرٍ، أما تنزلون إليها وتُحِلّون السبت لتخليصها؟ قالوا: بلى، قال: فلمَ أحللتُم السبت لتخليص الغنم، ولا تُحِلّونه لتخليص الإنسان الذي هو أكبر حرمةً من الغنم؟ فأُفْحِمُوا.

ويحكون أيضًا عنه: أنه كان مع قومٍ من تلاميذه في جبل، ولم يحضرهم الطعام، فأذن لهم في تناول الحشيش يوم السبت، فأنكرت عليه اليهود قطع الحشيش في يوم السبت، فقال لهم: أرأيتم لو أن أحدكم كان وحيدًا مع قوم على غير ملَّته، وأمرهم بقطع النبات وإلقائه لدوابِّهم، لا يقصدون بذلك إبطال السبت، ألستم تجيزون له قطعَ النبات؟ قالوا: بلى، قال: فإن هؤلاء القوم أمرتُهم بقطع النبات ليأكلوه، وليغتذوا به، لا لقطع السبت.

ومن العجب: أن عندهم في التوراة التي بأيديهم: «لا يزول الملك من آل يهوذا، والراسم من بين ظَهرانيهم: إلى أن يأتي المسيح»، وهم لا يقدرون أن يجحدوا ذلك.

1129

فيقال لهم: إنكم كنتم أصحاب دولة حتى ظهر المسيح، ثم انقضى ملككم، ولم يبق لكم اليوم ملك، وهذا برهان على أن المسيح قد أُرسل.

ومن حين بُعث المسيح، وكفروا به وطلبوا قتله استولت ملوكُ الروم على اليهود وبيت المقدس، وانقضت دولتهم، وتفرّق شملهم.

فيقال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟

فيقولون: ولد يوسف النجار، لِغِيّةٍ لا لِرِشْدَةٍ، وكان قد عَرَف اسم الله الأعظم، يُسَخِّر به كثيرًا من الأشياء!

وعند هذه الأمة الغضبية أيضًا: أن الله تعالى كان قد أطلع موسى ﵇ على الاسم المركّب من اثنين وأربعين حرفًا، وبه شَقّ البحر، وعمل المعجزات.

فيقال لهم: فإذا كان موسى قد عمل المُعجزات باسم الله سبحانه فلمَ صدَّقتم نبوَّته، وأقررتم بها، وجحدتم نبوَّة عيسى، وقد عمل المعجزات بالاسم الأعظم؟

فأجاب بعضهم عن هذا الإلزام: بأن الله [١٧٣ ب] سبحانه هو الذي علّم موسى ذلك الاسم، فعلَّمه بالوحي، وعيسى إنما تعلم من حيطان بيت المقدس.

وهذا هو اللائق ببهتهم وكذبهم على الله تعالى وأنبيائه، وهو يسدُّ عليهم العلم بنبوة موسى، لأن كلا الرسولين اشتركا في المعجزات والآيات الظاهرة، التي لا يقدر أحدٌ أن يأتي بمثلها، فإن كان أحدهما قد عملها بحيلة أو بعلم فالآخر يمكن ذلك في حقِّه، وقد أخبرا جميعًا أن الله ﷾

1130

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي