إغاثة اللهفان

فيقال لهم: إنكم كنتم أصحاب دولة حتى ظهر المسيح، ثم انقضى ملككم، ولم يبق لكم اليوم ملك، وهذا برهان على أن المسيح قد أُرسل.

ومن حين بُعث المسيح، وكفروا به وطلبوا قتله استولت ملوكُ الروم على اليهود وبيت المقدس، وانقضت دولتهم، وتفرّق شملهم.

فيقال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟

فيقولون: ولد يوسف النجار، لِغِيّةٍ لا لِرِشْدَةٍ، وكان قد عَرَف اسم الله الأعظم، يُسَخِّر به كثيرًا من الأشياء!

وعند هذه الأمة الغضبية أيضًا: أن الله تعالى كان قد أطلع موسى ﵇ على الاسم المركّب من اثنين وأربعين حرفًا، وبه شَقّ البحر، وعمل المعجزات.

فيقال لهم: فإذا كان موسى قد عمل المُعجزات باسم الله سبحانه فلمَ صدَّقتم نبوَّته، وأقررتم بها، وجحدتم نبوَّة عيسى، وقد عمل المعجزات بالاسم الأعظم؟

فأجاب بعضهم عن هذا الإلزام: بأن الله [١٧٣ ب] سبحانه هو الذي علّم موسى ذلك الاسم، فعلَّمه بالوحي، وعيسى إنما تعلم من حيطان بيت المقدس.

وهذا هو اللائق ببهتهم وكذبهم على الله تعالى وأنبيائه، وهو يسدُّ عليهم العلم بنبوة موسى، لأن كلا الرسولين اشتركا في المعجزات والآيات الظاهرة، التي لا يقدر أحدٌ أن يأتي بمثلها، فإن كان أحدهما قد عملها بحيلة أو بعلم فالآخر يمكن ذلك في حقِّه، وقد أخبرا جميعًا أن الله ﷾

1130

هو الذي أجرى ذلك على أيديهما، وأنه ليس من صنعهما، فتكذيب أحدهما وتصديق الآخر تفريق بين المتماثلين.

وأيضًا فإنه لا دليل لهم على أن موسى تلقَّى تلك المعجزات عن الله تعالى إلا وهو يدلُّ على أن عيسى ﵇ تلقَّاها أيضًا عن الله تعالى، فإن أمكن القَدحُ في معجزات عيسى أمكن القدح في معجزات موسى ﵇، وإن كان ذلك باطلًا فهذا أيضًا باطل.

وإذا كان هذا شأن معجزات هذين الرسولين مع بُعد العَهد، وتشتُّتِ شمل أمَّتيهما في الأرض، وانقطاع معجزاتهما، فما الظن بنبوة مَنْ معجزاته وآياته تزيد على الألف، والعهد بها قريب، وناقلوها أصدق الخلق وأبرّهم، ونقلها ثابت بالتواتر قرنًا بعد قرن؟

وأعظهما معجزةً كتاب باقٍ غَضٌّ طريٌّ، لم يتغير ولم يتبدل منه شيء، بل كأنه منزَّل الآن، وهو القرآن العظيم، وما أخبر به يقع كلَّ وقت على الوجه الذي أخبر به، حتى كأنه كان يشاهدهُ عِيانًا.

فصل

ولا يمكن البتة أن يؤمنَ يهوديٌّ بنبوة موسى ﵇ إن لم يؤمِنْ بنبوة محمدٍ ﷺ، ولا يمكن نصرانيًّا أن يُقِرّ بنبوة المسيح إلا بعد إقراره بنبوة محمدٍ ﷺ.

وبيان ذلك: أن يُقال لهاتين الأُمَّتين:

أنتم لم تُشاهدوا هذين الرسولين، ولا شاهدتم آياتهما وبراهين نبوَّتهما، فكيف يسع العاقلَ أن يُكذّب نبيًّا ذا دعوةٍ شائعة، وكلمةٍ قائمةٍ، وآياتٍ باهرةٍ،

1131

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي