إغاثة اللهفان

لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٩ - ٧٣].

فتأمَّل سياق هذه البشارة وتلك: تجدْهما بشارتين متفاوتتين، مَخْرَجُ إحداهما غير مخرج الأخرى.

والبشارة [١٧٥ ب] الأولى كانت له، والثانية كانت لها.

والبشارة الأولى هي التي أُمر بذبح مَنْ بُشّر به فيها، دون الثانية.

السابع: أن إبراهيم ﵇ لم يَقدم بإسحاق إلى مكة البتة، ولم يفرّق بينه وبين أمّه، وكيف يأمره الله تعالى أن يذهب بابن امرأته، فيذبحه بموضع ضَرّتها وفي بلدها، ويدع ابن ضَرّتها؟

الثامن: أن الله تعالى لمّا اتخذ إبراهيم خليلًا، والخُلّة تقتضي أن يكون قلبه كلّه معلقًا بربه، ليس فيه شُعْبة لغيره، فلما سأل الولد وهَبَهُ إسماعيل، فتعلَّق به شُعبةٌ من قلبه، فأراد خليله سبحانه أن تكون تلك الشّعبة له، ليست لغيره من الخلق، فامتحنه بذبح ولده، فلمَّا أقدم على الامتثال خلصت له تلك الخُلَّة، وتمحّضت لله وحده، فنسخ الأمر بذبحه لحصول المقصود، وهو العزمُ وتوطينُ النفس على الامتثال.

ومن المعلوم أن هذا إنما يكون في أول الأولاد، لا في آخرها، فلما حصل هذا المقصود من الولد الأول لم يُحْتَجْ في الولد الآخر إلى مثله، فإنه لو زاحمت محبّة الولد الآخر الخُلّة لأمر بذبحه، كما أمر بذبح الأول.

1141

فلو كان المأمور بذبحه هو الولدَ الآخر لكان قد أقرّه في الأول على مزاحمة الخُلّة به مدةً طويلةً، ثم أمره بما يُزيل المُزاحم بعد ذلك، وهذا خلاف مقتضى الحكمة، فتأمَّلْهُ.

التاسع: أن إبراهيم ﵇ إنما رُزق إسحاق ﵇ على الكِبَرِ، وإسماعيل ﵇ رُزِقَهُ في عُنفوانه وقوّته، والعادة أن القلب أعلقُ بأول الأولاد، وهو إليه أمْيَلُ، وله أحبّ، بخلاف من يُرْزَقُه على الكبر، ومحلُّ الولد بعد الكبر كمحلّ الشهوة للمرأة.

العاشر: أن النبي ﷺ كان يفتخر بقوله: «أنا ابنُ الذّبيحَيْن»١ يعني: أباه عبد الله وجدّه إسماعيل.

والمقصود: أن هذه اللفظة مما زادوها في التوراة.

ونحن نذكر السبب الموجِبَ لتغيير ما غُيّر منها، والحق أحقُّ ما اتُّبع، فلا نغلو غُلُوّ المستهينين بها، المستجمرين بها، بل معاذَ الله من ذلك! ولا

  1. (١) كذا ذكره الحاكم (٢/ ٦٠٩) بلا إسناد، لكن ليس فيه ذكر الافتخار، وروى الطبري في تفسيره (٢١/ ٨٥) والأموي في مغازيه كما في تفسير ابن كثير (٧/ ٣٥) والحاكم (٤٠٣٦) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ٢٠٠، ٢٠١) وغيرهم من طريق عبد الله بن سعيد عن الصنابحي عن معاوية أن أعرابيا قال لرسول الله ﷺ: يا ابن الذبيحين، فتبسم رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه، وفي إسناده اختلاف، قال القرطبي في تفسيره (١٥/ ١١٣): «سنده لا يثبت»، وقال الذهبي: «إسناده واه»، وقال ابن كثير في تفسيره (٧/ ٣٥): «هذا حديث غريب جدًا»، وضعفه السيوطي في الدر المنثور (٧/ ١٠٥) وقال في فتاويه (٢/ ٣٥): «هذا حديث غريب، وفي إسناده من لا يعرف حاله»، وأبطله الألوسي في روح المعاني (٢٣/ ١٣٦)، وهو في السلسلة الضعيفة (٣٣١، ١٦٧٧).
1142

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي