إغاثة اللهفان

الثاني: اختلاف الترجمة.

الثالث: اختلاف التأويل والتفسير.

ونحن نذكرُ من ذلك أمثلةً تُبيِّن حقيقة الحال:

المثال الأول: ما تقدم من قوله: «ولحم في الصحراء فريسة لا تأكلوا، وللكلب ألقوه».

وتقدم بيانُ تحريفهم هذا النصّ، وحمله على غير محمله.

المثال الثاني: قوله في التوراة: «نبيًّا أُقيمُ لهم من وسط إخوتهم مثلك، فليؤمنوا به».

فحرّفوا تأويله، إذ لم يمكنهم أن يبدّلوا تنزيله، وقالوا: هذه بشارة بنبيٍّ من بني إسرائيل، وهذا باطل من وجوه:

أحدها: أنه لو أراد ذلك لقال: «من أنفسهم»، كما قال في حق محمد ﷺ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، ولم يقل: «من إخوتكم».

الثاني: أن المعهود في التوراة أن إخوتهم غيرُ بني إسرائيل.

ففي الجزء الأول من السِّفْر الخامس قوله لهم: «أنتم عابرون في تُخُوم إخوتكم بني العِيصِ، المقيمين في سَيعير، إيّاكم أن تطْمعوا في شيء من أرضهم».

فإذا كان بنو العيص إخوةً لبني إسرائيل، لأن العيص وإسرائيل وَلَدا إسحاق، والرومُ هم بنو العيص، واليهودُ هم بنو إسرائيل، وهم إخوتهم،

1145

فكذلك بنو إسماعيل إخوةٌ لجميع ولد إبراهيم.

الثالث: أن هذه البشارة لو كانت بشَمُويِل أو غيره من بني إسرائيل لم يصحّ أن يقال: بنو إسرائيل إخوة بني إسرائيل، وإنما المفهوم من هذا: أن بني إسماعيل أو بني العيص هم إخوةُ بني إسرائيل.

الرابع: أنه قال: «أُقِيمُ لهم نبيًّا مثلك»، وفي موضع آخر: «أُنْزِلُ عليه توراةً مثل توراة موسى».

ومعلوم أن شمويل وغيره من أنبياء بني إسرائيل لم يكن فيهم مثل موسى، لا سيما وفي التوراة: «لا يقومُ في بني إسرائيل مثلُ موسى».

وأيضًا فليس في بني إسرائيل مَنْ أُنزل عليه توراةٌ مثل توراة موسى إلا محمدٌ والمسيح صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والمسيح كان من أنْفُسِ بني إسرائيل، لا من إخوتهم، بخلاف محمد ﷺ، فإنه من إخوتهم بني إسماعيل.

وأيضًا فإن في بعض ألفاظ هذا النص: «كلُّكم له تسمعون»، وشَمُويِلُ لم يأت بزيادة ولا نسخ، لأنه إنما أُرسل ليقوّي أيديهم على أهل فلسطين، وليَرُدّهم إلى شرع التوراة، فلم يأت بشريعةٍ جديدة، ولا كتابٍ جديد، وإنما حكمه حكم سائر أنبياء بني إسرائيل، فإنهم كانت تسوسهم الأنبياء، كلّما هلك نبيٌّ قام فيهم نبي.

فإن كانت هذه البشارةُ بشمويل فهي بشارةٌ بسائر الأنبياء الذين بُعثوا فيهم، ويكونون كلهم مثل موسى ﵇، وكلهم قد أنزل عليهم كتاب مثل كتاب موسى ﵇.

1146

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي