ومما يدلّ على غَلَط أفهام هذه الأمة الغضبية، وقلّة فقههم، وفسادِ رأيهم وعقولهم كما جاء في التوراة: «أنهم شعبٌ عادمو الرأي، وليس فيهم فطانة» أنهم سمعوا في التوراة: «بكور ثمار أرضك تُحمَلُ إلى بيت الله ربِّك، ولا يُنْضَج الجديُ بلبن أمّه».
والمراد من ذلك: أنهم أُمروا عَقِيب افتراض الحج إلى بيت المقدس عليهم أن يستصحبوا معهم إذا حَجُّوا أبكار أغنامهم، وأبكار مُسْتَغلّات أرضهم، لأنه كان فُرض عليهم قبل ذلك أن تبقى سُخولة البقر والغنم وراء أمّها سبعة أيامٍ، وفي اليوم الثامن فصاعدًا يصلُح أن تكون قُرْبانًا، فأشار في هذا النص بقوله: «لا يُنْضَجُ الجديُ بلبن أمّه» إلى أنهم لا يُبَالغون في إطالة مُكثِ باكور أولاد البقر والغنم وراء أمهاتها، بل يَسْتصحبون أبكارهن اللاتي قد عبرن سبعة أيام منذُ ميلادهن معهم، إذا حجوا إلى بيت المقدس، ليتخذوا منها القرابين.
فتوهَّم المشايخ البُلْهُ أن الشرع يريد بالإنضاج: إنضاج الطبيخ في القِدْر، وأنهم نُهوا أن يطبخوا لحم الجدي باللبن.
ولم يَكْفِهم هذا الغلط، حتى حرَّموا أكل سائر اللُّحْمان باللبن، فألغوا لفظ «الجدي»، وألغوا حليب «أمه»، وحمَّلوا النص ما لا يحتمله، وإذا أرادوا أن يأكلوا اللحم واللبن أكلوا كلًّا منهما على حِدة.
والأمر في هذا ونحوه قريبٌ.
فصل
ولا يُسْتبعدُ اصطلاح كافة هذه الأمة على المحال، واتفاقهم على أنواع من الضلال:
فإن الدولة إذا انقرضت عن أمة باستيلاء غيرها عليها، وأخذها بلادها انطمست معالم دينها، واندرست آثارها.
فإن الدولة إنما يكون زوالها بتتابع الغارات والمصافّات، وإخراب البلاد وإحراقها، ولا تزال هذه الأمور متواترة عليها إلى أن يعود علومها جهلًا، وعِزّها ذُلًّا، وكثرتها قلة، وكلما كانت الأمة أقدم، واختلفت عليها الدول المتناولة لها بالذُلّ والصّغار، كان حَظّها من اندراس معالم دينها وآثارها أوفر.
وهذه الأمة أوفر الأمم حظًّا من هذا الأمر، لأنها من أقدم الأمم، ولكثرة الأمم التي استولت عليها: من الكشدانيين، والكلْدانيين، والبابليين، والفرس، واليونان، والنصارى، وآخر ذلك المسلمون.
وما من هذه الأمم إلا من طلب استئصالهم، وبالغ في إحراق بلادهم وكتبهم، وقطع آثارهم، إلا المسلمين، فإنهم أعدل الأمم فيهم وفي غيرهم، حفظًا لوصية الله لهم، حيث يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾[المائدة: ٨].
وصادف الإسلام هذه الأمة تحت ذِمّة الفُرس، وذمة النصارى، بحيث لم يَبْقَ [١٧٧ أ] لهم مدينة ولا جيش.