إغاثة اللهفان

وقال بعض السلف: «الناس يطلبون العزَّ بأبواب الملوك، ولا يجدونه إلا في طاعة الله»١.

وقال الحسن: «وإن هَمْلَجتْ بهم البَراذين، وطَقْطقَتْ بهم البغال، إن ذُلَّ المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يُذِلّ من عصاه»٢.

وذلك أن من أطاع الله فقد والاه، ولا يَذِلُّ من والاه ربُّه، كما في دعاء القنوت: «إنه لا يَذِلُّ من واليت، ولا يَعِزُّ من عاديت»٣.

  1. (١) انظر: مجموع الفتاوى (١٥/ ٤٢٦، ٢١/ ٢٥٨)، قال: كان في كلام الشيوخ .. وَذكره.
  2. (٢) رواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٤٩) من طريق حوشب بن مسلم عن الحسن قال: «أما والله، لئن تدقدقت بهم الهماليج، ووطئت الرجال أعقابهم، إنّ ذلّ المعاصي لفي قلوبهم، ولقد أبى الله أن يعصيه عبد إلا أذلّه». وذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد (٣/ ٢٠٢) بغير إسناد، ولفظه: «أما إنهم وإن هَمْلَجت بهم البِغال، وأطافت بهم الرِّجال، وتعاقبت لهم الأموال، إنّ ذُلَّ المعصية في قلوبهم، أبى الله إلا أن يُذِلَّ من عصاه».
  3. (٣) رواه أحمد (١/ ١٩٩، ٢٠٠)، وأبو داود (١٤٢٥)، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي (١٧٤٥، ١٧٤٦)، وابن ماجه (١١٧٨)، والطبراني في الكبير (٣/ ٧٣ - ٧٧)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٢٠٩، ٤٩٧)، وغيرهم عن الحسن بن علي ﵄ قال: علمني جدي ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر ... وذكر الدعاء، وحسنه الترمذي، وصححه ابن الجارود (٢٧٢)، والحاكم (٤٨٠٠)، وابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٢٩٦)، والنووي في الأذكار (ص ٨٦)، وابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٦٣٠)، وابن حجر في موافقة الخبر الخبر (١/ ٣٣٣)، والألباني في الإرواء (٤٢٩). وروى الدعاءَ الطيالسي (١٢٧٥)، والبزار (١٣٣٦)، وأبو يعلى (٦٧٥٩، ٦٧٦٢)، وغيرهم، وليس فيه ذكر القنوت ولا الوتر، ورجّحه ابن خزيمة (١٠٩٦)، وابن حبان (٧٢٢، ٩٤٥)، وانظر: البدر المنير (٣/ ٦٣٤).
78

والمقصود: أن زكاة القلب موقوفة على طهارته، كما أن زكاة البدن موقوفة على استفراغه من أخلاطه الرديئة الفاسدة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]، وذكر ذلك سبحانه عَقِيبَ تحريم الزنا والقذف ونكاح الزانية، فدل على أن التزكِّي هو باجتناب ذلك، وكذلك قوله تعالى في الاستئذان على أهل البيوت: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]؛ فإنهم إذا أُمروا بالرجوع لئلَّا يَطّلعوا على عورة لم يحبَّ صاحب المنزل أن يُطّلَع عليها، كان ذلك أزكى لهم، كما أن ردّ البصر وغضّه أزكى لصاحبه. وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، وقال تعالى عن موسى في خطابه لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ٦ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧].

قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم١: هي التوحيد، شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان الذي به يزكو القلب؛ فإنه يتضمن نفى إلهية ما سوى الحق من القلب، وذلك طهارة، وإثبات إلهيته سبحانه، وهو أصل كل زكاة ونماء؛ فإن التزكي وإن كان أصله النماء والزيادة والبركة، فإنما يحصل بإزالة الشر؛ فلهذا صار التزكي ينتظم الأمرين جميعًا، فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح هو التوحيد.

  1. (١) انظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٣٠٩٤).
79

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي