إغاثة اللهفان

وقال الحسن: «قد أفلح من زكى نفسه، فأصلحها وحملها على طاعة الله، وقد خاب من أهلكها وحملها على معصية الله»١.

قال ابن قتيبة٢: «يريد: أفلح من زكَّى نفسه، أي أنماها وأعلاها بالطاعة، والبِرّ، والصدقة، واصطناع المعروف، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي نقصها وأخفاها بترك عمل البر، وركوب المعاصي. والفاجر أبدًا خفيُّ المكان، زَمِرُ المروءة، غامض الشخص، ناكس الرأس، فمرتكب الفواحش قد دَسَّى نفسه وقمعها، ومصطنع المعروف شهَّر نفسَه ورفعها. وكانت أجواد العرب تنزل الرُّبى ويَفَاع الأرض؛ لتُشهِّر أماكنها للمُعْتفين٣، وتوقد النيران في الليل للطارقين، وكانت اللئام تنزل الأوْلاج والأطراف والأهضام؛ لتُخفِي أماكنهَا على الطالبين، فأولئك أعلوا أنفسهم وزكَّوها، وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسَّوها». وأنشد٤:

وَبَوَّأتَ بَيْتَكَ في مَعْلَمٍرَحيبِ المَباءَةِ وَالمَسْرَحِ
كَفَيْتَ العُفَاةَ طِلابَ القِرَىوَنَبْحَ الكِلَابِ لمُسْتَنْبِح

فهذان قولان مشهوران في الآية.

  1. (١) رواه عبد بن حميد بنحوه كما في الدر المنثور (٨/ ٥٣٠)، وانظر: تفسير البغوي (٨/ ٤٣٩).
  2. (٢) انظر: تأويل مشكل القرآن (ص ٣٤٤، ٣٤٥).
  3. (٣) الأصل، ظ، ت: «للمعتقبين» تصحيف.
  4. (٤) أي ابن قتيبة في المصدر السابق. والبيتان بلا نسبة في الحيوان (١/ ٣٨١، ٣٨٢، ٥/ ١٣٤، ١٣٥)، وتاج العروس (بوأ).
84

وفيها قول ثالث: إن المعنى خاب من دسَّ نفسه مع الصالحين وليس منهم، حكاه الواحدي١، قال: ومعنى هذا أنه أخفى نفسه في الصالحين، يُرِي الناس أنه منهم، وهو منطوٍ على غير ما ينطوي عليه الصالحون.

وهذا وإن كان حقًّا في نفسه؛ لكن في كونه هو المراد بالآية نظرٌ. وإنما يدخل في الآية بطريق العموم؛ فإن الذي يدسُّ نفسه بالفجور إذا خالط أهل الخير دسَّ نفسه فيهم، والله أعلم.

  1. (١) في البسيط (٢٤/ ٦٤). وانظر تهذيب اللغة (١٢/ ٢٨١). والقائل هو ابن الأعرابي.
85

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي