وفيها قول ثالث: إن المعنى خاب من دسَّ نفسه مع الصالحين وليس منهم، حكاه الواحدي١، قال: ومعنى هذا أنه أخفى نفسه في الصالحين، يُرِي الناس أنه منهم، وهو منطوٍ على غير ما ينطوي عليه الصالحون.
وهذا وإن كان حقًّا في نفسه؛ لكن في كونه هو المراد بالآية نظرٌ. وإنما يدخل في الآية بطريق العموم؛ فإن الذي يدسُّ نفسه بالفجور إذا خالط أهل الخير دسَّ نفسه فيهم، والله أعلم.
(١) في البسيط (٢٤/ ٦٤). وانظر تهذيب اللغة (١٢/ ٢٨١). والقائل هو ابن الأعرابي.
الباب التاسع
في طهارة القلب من أدرانه ونجاساته
هذا الباب وإن كان داخلًا فيما قبله، كما بينَّا أن الزكاة لا تحصل إلا بالطهارة، فأفردناه بالذكر لبيان معنى طهارته، وشدة الحاجة إليها، ودلالة القرآن والسنة عليها، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ١ قُمْ فَأَنْذِرْ ٢ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ٣ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾[المدثر: ١ - ٤]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[المائدة: ٤١]، وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم على أن المراد بالثياب هاهنا القلب، والمراد بالطهارة إصلاح الأخلاق والأعمال.
قال الواحدي١: اختلف المفسرون في معناه، فروى عطاء، عن ابن عباس قال: «يعني: من الإثم ومما كانت الجاهلية تجيزه»٢.
وهذا قول قتادة٣، ومجاهد٤، قالا: «نَفْسَك فطهِّرْ من الذنب».
(١) من هنا إلى ص ٩٢ كله منقول من «البسيط» (٢٢/ ٣٩٦ ــ ٤٠٤).
(٢) رواه أبو داود في الزهد (٣٥٣)، وابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١٠، ١١)، وابن المنذر في الأوسط (٦٨٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٣٥)، وصححه الحاكم (٣٨٦٩) على شرطهما، وعزاه في الدر المنثور (٨/ ٣٢٦) للفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، وليس عند أحد منهم: «ومما كانت الجاهلية تجيزه»، وإنما عند بعضهم: «وهي في كلام العرب: نقيّ الثياب».
(٣) قول قتادة رواه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٢٧)، وابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١١)، وعزاه في الدر المنثور (٨/ ٣٢٥) لعبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) قول مجاهد رواه عبد بن حميد كما في الدر المنثور (٨/ ٣٢٧)، وانظر: تفسير البغوي (٨/ ٢٦٤).