هذا الباب وإن كان داخلًا فيما قبله، كما بينَّا أن الزكاة لا تحصل إلا بالطهارة، فأفردناه بالذكر لبيان معنى طهارته، وشدة الحاجة إليها، ودلالة القرآن والسنة عليها، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ١ قُمْ فَأَنْذِرْ ٢ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ٣ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾[المدثر: ١ - ٤]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[المائدة: ٤١]، وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم على أن المراد بالثياب هاهنا القلب، والمراد بالطهارة إصلاح الأخلاق والأعمال.
قال الواحدي١: اختلف المفسرون في معناه، فروى عطاء، عن ابن عباس قال: «يعني: من الإثم ومما كانت الجاهلية تجيزه»٢.
وهذا قول قتادة٣، ومجاهد٤، قالا: «نَفْسَك فطهِّرْ من الذنب».
(١) من هنا إلى ص ٩٢ كله منقول من «البسيط» (٢٢/ ٣٩٦ ــ ٤٠٤).
(٢) رواه أبو داود في الزهد (٣٥٣)، وابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١٠، ١١)، وابن المنذر في الأوسط (٦٨٥)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٣٥)، وصححه الحاكم (٣٨٦٩) على شرطهما، وعزاه في الدر المنثور (٨/ ٣٢٦) للفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، وليس عند أحد منهم: «ومما كانت الجاهلية تجيزه»، وإنما عند بعضهم: «وهي في كلام العرب: نقيّ الثياب».
(٣) قول قتادة رواه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٢٧)، وابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١١)، وعزاه في الدر المنثور (٨/ ٣٢٥) لعبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) قول مجاهد رواه عبد بن حميد كما في الدر المنثور (٨/ ٣٢٧)، وانظر: تفسير البغوي (٨/ ٢٦٤).
ونحوه قال الشعبي١، وإبراهيم٢، والضحاك٣، والزُّهرى٤.
وعلى هذا القول الثياب عبارة عن النفس، والعرب تَكْنِي بالثياب عن النفس، ومنه قول الشمّاخ:
رَمَوْهَا بِأَثْوَابٍ خِفَافٍ فَلا تَرَىلَها شَبهًا إلا النَّعَامَ المُنَفَّرَا٥
وقال في رواية الكلبي: يعني لا تغدر، فتكون غادرًا دنِسَ الثياب٧.
(١) قول عامر الشعبي رواه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١١).
(٢) قول إبراهيم النخعي رواه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١١)، وابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢٣٦)، وعزاه في الدر المنثور (٨/ ٣٢٥) لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر. وانظر: الأوسط (٢/ ١٣٥). وله تفسير آخر كقول مجاهد الآتي: «وعملك فأصلح»، رواه عنه ابن حبان (٧٣١٧).
(٣) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٦٨)، وتفسير البغوي (٨/ ٢٦٤)، وروى عنه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١١) قوله: «لا تلبس ثيابك على معصية».
(٤) انظر: تفسير الثعلبي (١٠/ ٦٨)، وتفسير البغوي (٨/ ٢٦٤).
(٥) البيت لا يوجد في ديوان الشماخ. وهو له في تهذيب اللغة (١٥/ ١٥٤)، ولليلى الأخيلية في ديوانها (ص ٧٠)، وسمط اللآلي (ص ٩٢٢)، وأساس البلاغة (ثوب)، والمعاني الكبير (ص ٤٨٦)، والصناعتين (ص ٣٥٣)، وبلا نسبة في اللسان (ثوب).