وقال أبو الحسين١ الورّاق: «حياة القلب في ذكر الحي الذي لا يموت، والعيش الهني الحياة مع الله تعالى لا غير»٢.
ولهذا كان الفَوْتُ عند العارفين بالله أشدَّ عليهم من الموت؛ لأن الفوت انقطاع عن الحق، والموت انقطاع عن الخلق، فكم بين الانقطاعين؟!
وقال آخر: «من قرَّت عينه بالله تعالى قرَّت به كل عين، ومن لم تقرَّ عينه بالله تقطع قلبه على الدنيا حسرات»٣.
وقال يحيى بن معاذ: «من سُرَّ بخدمة الله سُرَّت الأشياء كلها بخدمته، ومن قرَّت عينه بالله قرَّتْ عيون كل أحد بالنظر إليه»٤.
ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، ولا يأنس بغيره؛ إلا بمن يَدُلُّهُ عليه، ويُذكِّره به، ويذاكره بهذا الأمر.
ومن علامات صحته: أنه إذا فاته وِرْده وجد لفواته ألمًا أعظم من تألُّم الحريص بفوات ماله [٢٢ ب] وفقده.
ومن علامات صحته: أنه يشتاق إلى الخدمة، كما يشتاق الجائع إلى الطعام والشراب.
(١) ح: «الحسن».
(٢) رواه أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية (ص ٢٣٠) عن أبي بكر محمد بن أحمد بن إبراهيم عنه به.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) رواه أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية (ص ١٠٢)، وعنه البيهقي في الزهد الكبير (٧٢٦).
ومن علامات صحته: أنه إذا دخل في الصلاة ذهب عنه همُّه وغمُّه بالدنيا، واشتد عليه خروجه منها، ووجد فيها راحته ونعيمه، وقُرَّةَ عينه وسرورَ قلبه.
ومن علامات صحته: أن يكون همُّه واحدًا، وأن يكون في الله.
ومن علامات صحته: أن يكون أشحَّ بوقته أن يذهب ضائعًا من أشد الناس شُحًّا بماله.
ومنها: أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل، فيحرص على الإخلاص فيه والنصيحة والمتابعة والإحسان، ويشهد مع ذلك مِنّة الله عليه فيه، وتقصيره في حق الله.
فهذه ستةُ١ مشاهد، لا يشهدها إلا القلب الحيُّ السليم.
وبالجملة فالقلب الصحيح: هو الذي همُّه كله في الله، وحبُّه كله له، وقصده له، وبدنه له، وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابِّه، والخلوة به آثرُ عنده من الخلطة؛ إلا حيث تكون الخلطة٢ أحبَّ إليه وأرضى له، قُرّةُ عينه به، وطمأنينته وسكونه إليه، فهو كلما وجد من نفسه التفاتًا إلى غيره تلا عليها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾[الفجر: ٢٧، ٢٨]، فهو يُردِّد عليها الخطاب بذلك ليسمعه من ربه يوم لقائه؛ فينصبغ القلب بين