ومن علامات صحته: أنه إذا دخل في الصلاة ذهب عنه همُّه وغمُّه بالدنيا، واشتد عليه خروجه منها، ووجد فيها راحته ونعيمه، وقُرَّةَ عينه وسرورَ قلبه.
ومن علامات صحته: أن يكون همُّه واحدًا، وأن يكون في الله.
ومن علامات صحته: أن يكون أشحَّ بوقته أن يذهب ضائعًا من أشد الناس شُحًّا بماله.
ومنها: أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل، فيحرص على الإخلاص فيه والنصيحة والمتابعة والإحسان، ويشهد مع ذلك مِنّة الله عليه فيه، وتقصيره في حق الله.
فهذه ستةُ١ مشاهد، لا يشهدها إلا القلب الحيُّ السليم.
وبالجملة فالقلب الصحيح: هو الذي همُّه كله في الله، وحبُّه كله له، وقصده له، وبدنه له، وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابِّه، والخلوة به آثرُ عنده من الخلطة؛ إلا حيث تكون الخلطة٢ أحبَّ إليه وأرضى له، قُرّةُ عينه به، وطمأنينته وسكونه إليه، فهو كلما وجد من نفسه التفاتًا إلى غيره تلا عليها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾[الفجر: ٢٧، ٢٨]، فهو يُردِّد عليها الخطاب بذلك ليسمعه من ربه يوم لقائه؛ فينصبغ القلب بين
(١) في النسخ: «ست».
(٢) «الخلطة» ساقطة من م وبعض النسخ.
يدي إلهه ومعبوده الحق بصبغة١ العبودية، فتصير العبودية صفة٢ وذوقًا لا تكلفًا، فيأتي بها تودُّدًا وتحببًا وتقربًا، كما يأتي المحب المتيَّم في محبة محبوبه بخدمته وقضاء أشغاله.
فكلما عَرَضَ له أمر من ربه أو نهْيٌ أحسَّ من قلبه ناطقًا ينطق لبّيْكَ وسَعْديْك، إني سامع مطيع ممتثل، ولك عليّ المِنّة في ذلك، والحمد فيه عائد إليك.
وإذا أصابه قَدَر وجد من قلبه ناطقًا يقول: أنا عبدك ومسكينك وفقيرك، وأنا عبدك الفقير العاجز الضعيف المسكين، وأنت ربي العزيز الرحيم، لا صبر لي إن لم تُصبِّرني، ولا قوة لي إن لم تَحمِلنْي وتُقَوِّني، لا ملجأ لي منك إلا إليك، ولا مستعان لي إلا بك، ولا انصرافَ لي عن بابك، ولا مذهب لي عنك.
فينطرح بمجموعه بين يديه، ويعتمد بكلِّيَّته عليه، فإن أصابه بما يكره قال: رحمةٌ أُهدِيَتْ إليّ، ودواء نافع من طبيب مشفق، وإن صُرِفَ عنه ما يحب قال: شرٌّ صُرف عني:
وَكَمْ رُمْتُ أَمْرًا خِرْتَ لِي في انْصِرافِهِوَمَا زِلْتَ بي مِنِّي أَبَرَّ وَأَرْحَمَا٣
فكل ما مسّه به من السراء والضراء اهتدى بها طريقًا إليه، وانفتح له منه باب يدخل منه عليه، كما قيل٤:
(١) م: «بصفة».
(٢) الأصل: «صبغة»، والمثبت من النسخ الأخرى.
(٣) البيت ضمن ثلاثة أبيات في ذيل مرآة الزمان (٤/ ١٦٩) لأبي الحسين النوري.