إغاثة اللهفان

يدي إلهه ومعبوده الحق بصبغة١ العبودية، فتصير العبودية صفة٢ وذوقًا لا تكلفًا، فيأتي بها تودُّدًا وتحببًا وتقربًا، كما يأتي المحب المتيَّم في محبة محبوبه بخدمته وقضاء أشغاله.

فكلما عَرَضَ له أمر من ربه أو نهْيٌ أحسَّ من قلبه ناطقًا ينطق لبّيْكَ وسَعْديْك، إني سامع مطيع ممتثل، ولك عليّ المِنّة في ذلك، والحمد فيه عائد إليك.

وإذا أصابه قَدَر وجد من قلبه ناطقًا يقول: أنا عبدك ومسكينك وفقيرك، وأنا عبدك الفقير العاجز الضعيف المسكين، وأنت ربي العزيز الرحيم، لا صبر لي إن لم تُصبِّرني، ولا قوة لي إن لم تَحمِلنْي وتُقَوِّني، لا ملجأ لي منك إلا إليك، ولا مستعان لي إلا بك، ولا انصرافَ لي عن بابك، ولا مذهب لي عنك.

فينطرح بمجموعه بين يديه، ويعتمد بكلِّيَّته عليه، فإن أصابه بما يكره قال: رحمةٌ أُهدِيَتْ إليّ، ودواء نافع من طبيب مشفق، وإن صُرِفَ عنه ما يحب قال: شرٌّ صُرف عني:

وَكَمْ رُمْتُ أَمْرًا خِرْتَ لِي في انْصِرافِهِوَمَا زِلْتَ بي مِنِّي أَبَرَّ وَأَرْحَمَا٣

فكل ما مسّه به من السراء والضراء اهتدى بها طريقًا إليه، وانفتح له منه باب يدخل منه عليه، كما قيل٤:

  1. (١) م: «بصفة».
  2. (٢) الأصل: «صبغة»، والمثبت من النسخ الأخرى.
  3. (٣) البيت ضمن ثلاثة أبيات في ذيل مرآة الزمان (٤/ ١٦٩) لأبي الحسين النوري.
  4. (٤) لم أقف على القائل.
122
ما مَسّنِي قدَرٌ بِكُرْهٍ أوْ رِضًاإلَّا اهْتَدَيْتُ بِهِ إليكَ طَرِيقَا
أَمْضِ القَضَاءَ على الرِّضَا مِنِّي بِهِإنِّي وجَدْتُكَ فِي البَلاءِ رَفِيقَا

فلله هاتيك القلوبُ وما انطوت عليه من الضمائر، وماذا أُودِعَتْهُ من الكنوز والذخائر! ولله طِيبُ أسرارها، ولاسيما يوم تُبْلَى السرائر!

سَيَبْدُو لَهَا طِيبٌ وَنُورٌ وَبَهْجَةٌوَحُسْنُ ثَنَاءٍ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائرُ١

تالله لقد رُفع لها عَلَمٌ عظيم فشمَّرتْ إليه، واستبان لها صراط مستقيم فاستقامت عليه، ودعاها ما دون مطلوبها الأعلى؛ فلم تستجب له، واختارته على ما سواه وآثرت ما لديه.

  1. (١) لم أجد البيت.
123

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي