إغاثة اللهفان

الباب الحادي عشر [٢٣ أ]

في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه

هذا الباب كالأساس والأصل لما بعده من الأبواب؛ فإن سائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانب النفس، فالمواد الفاسدة كلها إليها تنصبُّ، ثم تنبعث منها إلى الأعضاء، وأولُ ما تنال القلب، وقد كان رسول الله ﷺ يقول في خطبة الحاجة: «الحمد لله، نستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا»١.

وفي «المسند»، والترمذي من حديث حُصين بن عبيد٢: أن رسول الله ﷺ قال له: «يا حُصين! كم تعبد اليوم إلهًا؟»٣ قال: سبعةً، ستةً في الأرض وواحدًا في السماء، قال: «فمن الذي تُعِدُّ لرَغْبتك ورهبتك؟»، قال: الذي في السماء، قال: «أسْلِمْ حتى أعلِّمك كلمتين ينفعك الله بهما»، فأسلم، فقال له: «قل: اللهم ألهمني رشدي، وقِني شرّ نفسي»٤.

  1. (١) رواه أحمد (١/ ٣٩٢)، وأبو داود (٢١١٨)، والترمذي (١١٠٥)، والنسائي (١٤٠٤، ٣٢٧٧)، وابن ماجه (١٨٩٢)، وغيرهم من حديث ابن مسعود ﵁، وحسنه الترمذي، وصححه ابن الجارود (٦٧٩)، وابن العربي في عارضة الأحوذي (٣/ ٢٧)، والنووي في شرح صحيح مسلم (٦/ ١٦٠) وفي غيره، والذهبي في المهذب (٣/ ١١٤٢)، وليس في شيء من روايات هذا الحديث ذكر الاستهداء. وانظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٨٦ ــ ٢٩٠) والسلسلة الضعيفة (٦٥٢٥)، وخطبة الحاجة للألباني.
  2. (٢) في الأصل وأغلب النسخ: «المنذر».
  3. (٣) «اليوم إلها» ساقطة من الأصل.
  4. (٤) رواه الترمذي (٣٤٨٣)، والدارمي في النقض على المريسي (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٣٥٥)، والبزار (٣٥٧٩، ٣٥٨٠)، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٧٤)، وفي الأوسط (١٩٨٥)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١١٨٤)، وغيرهم من طريق شبيب بن شيبة عن الحسن عن عمران بن حصين ﵁، وفي إسناده ضعف وانقطاع، وأعلّ بالإرسال. قال الترمذي: «غريب»، وقال البزار: «اختلفوا في إسناده»، وقال الذهبي في العلو (ص ٢٥): «شبيب ضعيف»، وصححه ابن القيم في الوابل الصيب (ص ٤١١)، وحسنه ابن حجر في التهذيب (٢/ ٣٨٤)، وانظر: العلل الكبير للترمذي (ص ٣٦٤).
124

وقد استعاذ النبي ﷺ من شرِّها عمومًا، ومن شر ما يتولد منها من الأعمال، ومن شر ما يترتب على ذلك من المكاره والعقوبات، وجمع بين الاستعاذة من شر النفس وسيئات الأعمال؛ وفيه وجهان:

أحدهما: أنه من باب إضافة النوع إلى جنسه، أي: أعوذ بك من هذا النوع من الأعمال.

والثاني: أن المراد به عقوبات الأعمال التي تسوء صاحبها.

فعلى الأول: يكون قد استعاذ من صفة النفس وعملها.

وعلى الثاني: يكون قد استعاذ من العقوبات وأسبابها.

ويدخل العمل السيئ في شر النفس، فهل المعنى: ما يسوؤني١ من جزاء عملي، أو من عملي السيئ؟

وقد يترجَّح الأول، فإن الاستعاذة من العمل السيئ بعد وقوعه إنما هي استعاذة من جزائه وموجَبه؛ وإلا فالموجود لا يمكن رفعه بعينه.

وقد اتفق السالكون إلى الله ــ على اختلاف طرقهم وتباين سلوكهم ــ

  1. (١) م: «يسرني»، تصحيف.
125

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي