إغاثة اللهفان

وقال قتادة: «هو المؤمن، اطمأنت نفسه إلى ما وعد الله»١.

وقال الحسن: «المطمئنة بما قال الله، والمصدقة بما قال»٢.

وقال مجاهد: «هي المُنيبة المُخْبتة التي أيقنت أن الله ربُّها، وضربت جأشًا لأمره وطاعته، وأيقنت بلقائه»٣.

وحقيقة الطمأنينة: السكون والاستقرار، فهي التي قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذِكْره، ولم تسكن إلى سواه، فقد اطمأنت إلى محبته وعبوديته وذِكْره، واطمأنت إلى أمره ونهيه وخبره، واطمأنت إلى لقائه ووعده، واطمأنت إلى التصديق بحقائق أسمائه وصفاته، واطمأنت إلى الرضا به ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، واطمأنت إلى قضائه وقدره، واطمأنت إلى كفايته وحَسْبِه وضمانه، فاطمأنت بأنه وحده ربها، وإلهها، ومعبودها، ومليكها، ومالك أمرها كلِّه، وأن مرجعها إليه، وأنها لا غنى لها عنه طرفة عينٍ.

وإذا كانت بضدِّ ذلك فهي أمَّارة بالسوء، تأمر صاحبها بما تهواه من شهوات الغيّ واتباع الباطل، فهي مأوى كل سوء، إن أطاعها قادته إلى كل قبيح وكل مكروه، وقد أخبر سبحانه أنها أمّارة بالسوء، ولم يقل: آمرة؛ لكثرة

  1. (١) رواه ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٤٢٣)، وعزاه في الدر المنثور (٨/ ٥١٥) لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
  2. (٢) رواه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٧٢)، وابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٤٢٣) عن معمر عن قتادة والحسن.
  3. (٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٤٢٣ - ٤٢٤)، وعزا بعضه في الدر المنثور (٨/ ٥١٤) لسعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
128

ذلك منها، وأنه عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله، وجعلها زاكيةً تأمر صاحبها بالخير، فذلك من رحمة الله، لا منها، فإنها بذاتها أمارة بالسوء؛ لأنها خلقت في الأصل جاهلة ظالمة إلا من ﵀١، والعلمُ والعدلُ طارئٌ عليها بإلهام ربِّها وفاطرها لها ذلك، فإذا لم يُلِهمْها رشدَها بقيتْ على ظلمها وجهلها، فلم تكن أمَّارة إلا بموجب الجهل والظلم، فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زَكَتْ منهم نفس واحدة.

فإذا أراد سبحانه بها خيرًا جعل فيها ما تزكو به وتصلح من الإرادات والتصورات، وإذا لم يُرِدْ بها ذلك تركها على حالها التي خُلقت عليها من الجهل والظلم.

وسبب الظلم: إما جهل، وإما حاجة، وهي في الأصل جاهلة، والحاجة لازمة لها، فلذلك كان أمرها بالسوء أمرًا لازمًا٢ لها إن لم تدركها رحمة الله وفضله.

وبهذا يُعلم أن ضرورة العبد إلى ربه فوق كل ضرورة، ولا تُشبِهها ضرورة تُقاس بها؛ فإنه إن أمسك عنه رحمته وتوفيقه وهدايته طرفة عينٍ خسِر وهلك.

فصل

وأما اللوّامة فاختُلِف [٢٤ أ] في اشتقاق هذه اللفظة: هل هو من التلوُّم؛ وهو التلوُّن والتردد؟ أو من اللوم؟ وعبارات السلف تدور على هذين المعنيين.

  1. (١) «إلا من رحمة الله» زيادة من ح.
  2. (٢) م، ظ: «أمر لازم».
129

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي