إغاثة اللهفان

قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: ما اللوامة؟ قال: «هي النفس اللَّؤوم»١.

وقال مجاهد: «هي التي تَنْدَم على ما فات، وتلوم عليه»٢.

وقال قتادة: «هي الفاجرة»٣.

وقال عكرمة: «تلوم على الخير والشر»٤.

وقال عطاء عن ابن عباس: «كل نفس تلوم نفسها يوم القيامة: يلوم المحسنُ نفسَه أن لا يكون ازداد إحسانًا، ويلوم المسيءُ نفسَه أن لا يكون رجع عن إساءته»٥.

وقال الحسن: «إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسَه على كل حالاته، يستقصرها في كل ما يفعل؛ فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليَمضي قُدُمًا، لا يُعاتِب نفسَه»٦.

  1. (١) رواه ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٤٩)، وصححه الحاكم (٣٨٧٧)، وعزاه في الدر المنثور (٨/ ٣٤٢) لابن المنذر.
  2. (٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٥٠)، وابن الجوزي في ذم الهوى (ص ٤٣)، وعزاه في الدر المنثور (٨/ ٣٤٣) لعبد بن حميد.
  3. (٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٥٠)، وعزاه في الدر المنثور (٨/ ٣٤٢) لعبد بن حميد.
  4. (٤) رواه ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٤٩).
  5. (٥) انظر: البسيط للواحدي (٢٢/ ٤٧٥).
  6. (٦) رواه أحمد في الزهد (ص ٢٨١) عن روح، وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (٤) من طريق أبي عامر العقدي، كلاهما عن قرة بن خالد عن الحسن، ولفظه: «إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه يقول: ما أردت بكلمتي؟ يقول: ما أردتُ بأكلتي؟ ما أردتُ بحديث نفسي؟ فلا تراه إلا يعاتبها، وإن الفاجر يمضي قدمًا فلا يعاتب نفسه»، وعزاه في الدر المنثور (٨/ ٣٤٣) لعبد بن حميد.
130

فهذه عباراتُ من ذَهب إلى أنها من اللَّوْم.

وأما من جعلها من التلوُّم فلكثرة ترددها وتلوُّمها، وأنها لا تستقر على حال واحدة.

والأول أظهر؛ فإن هذا المعنى لو أُريد لقيل: المتلوِّمة، كما يقال: المتلونة والمترددة، ولكن هو من لوازم القول الأول؛ فإنها لتلُّومِها وعدم ثباتها تفعل الشيء ثم تلوم عليه، فالتلوّم من لوازم اللوم.

والنفس قد تكون تارة أمّارةً، وتارة لوامةً، وتارة مطمئنةً، بل في اليوم الواحد والساعة الواحدة يحصل فيها١ هذا وهذا وهذا، والحكم للغالب عليها من أحوالها، فكونها مطمئنةً وصفُ مدحٍ لها، وكونها أمّارةً بالسوء وصفُ ذمٍّ لها، وكونها لوامةً ينقسم إلى المدح والذم، بحسب ما تلوم عليه.

والمقصود ذكر علاج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه، وله علاجان: محاسبتها، ومخالفتها.

وهلاك القلب من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع هواها، وفي الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث شدّاد بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ: «الكَيّس من دان نفسَه، وعمِلَ لما بعد الموت، والعاجز من أتبعَ نفسَه هواها، وتمنّى على الله»٢، دان نفسه أي: حاسبها.

  1. (١) ح: «منها».
  2. (٢) مسند أحمد (٤/ ١٢٤)، ورواه أيضًا ابن المبارك في الزهد (١٧١)، والطيالسي (١١٢٢)، والترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠)، وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (١)، والبزار (٣٤٨٩)، والطبراني في الكبير (٧/ ٢٨١، ٢٤٨)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٦٧، ٨/ ١٧٤)، وغيرهم، قال الترمذي: «هذا حديث حسن»، وصححه الحاكم (١٩١، ٧٦٣٩)، وتعقبه الذهبي بقوله: «لا والله، أبو بكر بن أبي مريم واه»، وهو في السلسلة الضعيفة (٥٣١٩).
131

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي