إغاثة اللهفان

فإنه منصور، ولا يفوت النجاح إلا من فوات خصلةٍ من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح.

فهذه أربع مقامات، يحتاج إلى محاسبة نفسه عليها قبل الفعل؛ فلا كلُّ ما يريد العبد فَعله يكون مقدورًا له، ولا كلُّ ما يكون مقدورًا له يكون فعله خيرًا له من تركه، ولا كلُّ ما يكون فعله خيرًا له من تركه [٢٥ ب] يفعله لله، ولا كلُّ ما يفعله لله يكون مُعانًا عليه، فإذا حاسب نفسه على ذلك تبين له ما يُقدم عليه، وما يُحجِم عنه.

فصل

النوع الثاني: محاسبة النفس بعد العمل، وهو ثلاثة أنواع:

أحدها: محاسبتها على طاعة قصّرت فيها من حق الله؛ فلم تُوقِعها على الوجه الذي ينبغي.

وحق الله في الطاعة بمراعاة ستة أمور قد تقدمت، وهي: الإخلاص في العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول فيه، وشهود مشهد الإحسان فيه، وشهود مِنّة الله عليه فيه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله. فيحاسب نفسَه: هل وَفّى هذه المقامات حقَّها؟ وهل أتى بها في هذه الطاعة؟

الثاني: أن يحاسب نفسه على عمل كان تركُه خيرًا له من فعله.

الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح أو معتاد: لِمَ فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحًا فيه، أو أراد به الدنيا وعاجلها؟ فيخسر ذلك الربح ويفوته الظَّفَرُ به.

139

فصل

وأضرّ ما عليه: الإهمالُ، وتركُ المحاسبة، والاسترسالُ، وتسهيلُ الأمور، وتمشيتُها؛ فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور: يُغمِض عينيه عن العواقب، ويُمشِّي الحال، ويتكل على العفو؛ فيهمل١ محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب، وأنِس بها، وعَسُر عليه فطامها، ولو حضره رشده لعلم أن الحِمْية أسهل من الفطام وتركِ المألوف والمعتاد.

قال ابن أبى الدنيا: حدثني رجل من قريش ذكر أنه من ولد طلحة بن عبيد الله، قال: كان توبة بن الصمَّة بالرقة، وكان محاسبًا لنفسه، فحسب يومًا، فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمس مائة يوم، فصرخ، وقال: يا ويلتا! ألقى ربي بأحد وعشرين ألف ذنب؟ كيف وفى كل يوم آلاف من الذنوب؟ ثم خرّ مغشيًّا عليه، فإذا هو ميت، فسمعوا قائلًا يقول: "يا لكِ ركضةً إلى الفردوس الأعلى!»٢.

وجِمَاع ذلك: أن يحاسب نفسه أولًا على الفرائض، فإن تذكَّر فيها نقصًا تداركه، إما بقضاء أو إصلاح، ثم يحاسبها على المناهي؛ فإن عرف أنه ارتكب منها شيئًا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية، ثم يحاسب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خُلِق له تداركه بالذِّكْر والإقبال على الله، ثم يحاسبها بما تكلم به، أو مشت إليه رجلاه، أو بطشته يداه، أو سمعته أذناه: ماذا

  1. (١) م: «فيهمل».
  2. (٢) محاسبة النفس لابن أبي الدنيا (٧٦)، ورواه من طريقه البيهقي في الشعب (١/ ٥٣٣).
140

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي