إغاثة اللهفان

قال قتادة: كلمتان يُسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فيُسأل عن المعبود وعن العبادة١.

وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].

قال محمد بن جرير: «يقول تعالى: ثم ليسألنكم الله ﷿ عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ ومن أين وصلتم إليه؟ وفيمَ أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟»٢.

وقال قتادة: «إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه»٣.

والنعيم المسؤول عنه نوعان:

نوع أُخذ من حِلِّه وصُرف في حقه، فيُسأل عن شُكره.

ونوع أُخذ بغير حِلِّه، وصُرف في غير حقه، فيُسأل عن مُسْتخرجه ومصرفه.

فإذا كان العبد مسؤولًا ومحاسبًا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يُناقش الحساب.

  1. (١) ذكره ابن تيمية كما في المجموع (١٥/ ١٠٥)، وابن القيم في طريق الهجرتين (ص ٤٤٣)، وفي مدارج السالكين (١/ ٣٤١) من كلام أبي العالية، ولم أقف عليه.
  2. (٢) انظر تفسيره (٢٤/ ٥٨٦).
  3. (٣) رواه ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٥٨٦) من طريق سعيد ومعمر - فرَّقهما - عن قتادة، وعزاه في الدر المنثور (٨/ ٦١٢) لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
142

وقد دلَّ على وجوب محاسبة النفس قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]، يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: من الصالحات التي تُنجِيه، أم من السيئات التي تُوبِقه؟

قال قتادة: «ما زال ربُّكم يُقرِّب الساعة حتى جعلها كغدٍ»١.

والمقصود أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها.

فصل

وفى محاسبة النفس عدة مصالح:

منها: الاطلاع على عيوبها، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مَقَتها في ذات الله.

وقد روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء، قال: «لا يفقه الرجل كلَّ الفقه حتى يَمقُت الناسَ في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه؛ فيكون لها أشدَّ مقتًا»٢.

  1. (١) رواه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٢٩٩).
  2. (٢) الزهد لأحمد (ص ١٣٤)، ورواه أيضًا عبد الرزاق (١١/ ٢٥٥)، وابن أبي شيبة (٧/ ١١٠)، وأبو داود في الزهد (ص ٢٢٨)، وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (٢٣)، وابن جرير في تفسيره (١/ ٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٧/ ١٧٢ - ١٧٣)، من طرق عن أيوب عن أبي قلابة عنه، ورواه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢١١) من طريق أحمد، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦١٩) وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٧٩٢) من طريق عبد الرزاق، قال ابن حجر في الفتح (١٣/ ٣٨٣): «رجاله ثقات إلا إنه منقطع».
143

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي