إغاثة اللهفان

وذكر ابن زيد١ عن مسلم بن سعيد الواسطي، قال: أخبرني حمّاد بن جعفر بن زيد، أن أباه أخبره، قال: خرجنا في غزوة إلى كابُل، وفي الجيش صِلة بن أشيَم، فنزل الناس عند العتمة، فصلّوا ثم اضطجع، فقلت: لأرمُقَنّ عمله، فالتمس غفلة الناس، حتى إذا قلت: هدأت العيون، وثب فدخل غيضةً قريبًا منا، فدخلتُ على إثره، فتوضأ، ثم قام يصلي، وجاء أسدٌ حتى دنا منه، فصعدت في شجرةٍ، فتراهُ التفت أو عدّهُ جروًا! فلما سجد قلت: الآن يفترسه، فجلس ثم سلم، ثم قال: أيها السبع! اطلب الرزق من مكان آخر، فولّى وإن له لزئيرًا، أقول: تصدّع الجبال منه، قال: فما زال كذلك يصلي؛ حتى [٢٦ ب] كان عند الصبح جلس، فحمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تُجِيرني من النار، ومثلي يجترئ أن يسألك الجنة، قال: ثم رجع وأصبح كأنه بات على الحشايا، وأصبحتُ وبي من الفترة٢ شيءٌ الله به عالم٣.

وقال يونس بن عبيد: «إني لأجد مئة خصلة من خصال الخير؛ ما أعلم أن في نفسي منها واحدةً٤.

  1. (١) «ابن زيد» ساقطة من م.
  2. (٢) ش: الفزع.
  3. (٣) رواه ابن المبارك في الزهد (٨٦٣)، ومن طريقه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (٣٣) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٨٣٦) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٤٠).
  4. (٤) رواه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (٣٤) عن محمد بن عمر المقدمي، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٨) من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي، كلاهما عن سعيد بن عامر قال: بلغني عن يونس بن عبيد ... ورواه المزي في تهذيب الكمال (٣٢/ ٥٢٤) من طريق أبي نعيم. وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ٣٠٧) عن بشر بن الحارث عن يونس بن عبيد.
145

وقال محمد بن واسع: «لو كان للذنوب ريح ما قَدَرَ أحد أن يجلس إليّ»١.

وذكر ابن أبى الدنيا عن الجَلْدِ بن أيوب، قال: «كان راهب في بني إسرائيل في صومعة منذ ستين سنة، فأُتي في منامه، فقيل له: إن فلانًا الإسكاف خير منك ــ ليلة بعد ليلة ــ فأتى الإسكاف، فسأله عن عمله، فقال: إني رجل لا يكاد يمر بي أحد إلا ظننته أنه في الجنة وأنا في النار، ففُضِّل على الراهب بإزرائه على نفسه»٢.

وذُكر داود الطائي عند بعض الأمراء، فأثنوا عليه، فقال: «لو يعلم الناس بعض ما نحن عليه ما ذلّ لنا لسانٌ بذكر خير أبدًا»٣.

وقال أبو حفص: من لم يَتَّهِمْ نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في

  1. (١) ذكره أحمد في الورع (ص ١٥٢)، ورواه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (٣٧) عن إسماعيل بن علية قال: بلغني عن محمد بن واسع، ورواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٤٩) عن ابن علية عن يونس عن محمد بن واسع، ورواه الدينوري في المجالسة (١٥٧) من طريق عمارة بن زاذان، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ١٥٨) من طريق سفيان، كلاهما عن محمد بن واسع.
  2. (٢) محاسبة النفس (٤١)، وقد اختصر المؤلف سياقه.
  3. (٣) رواه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (٤٢)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٥٩).
146

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي