إغاثة اللهفان

وقال محمد بن واسع: «لو كان للذنوب ريح ما قَدَرَ أحد أن يجلس إليّ»١.

وذكر ابن أبى الدنيا عن الجَلْدِ بن أيوب، قال: «كان راهب في بني إسرائيل في صومعة منذ ستين سنة، فأُتي في منامه، فقيل له: إن فلانًا الإسكاف خير منك ــ ليلة بعد ليلة ــ فأتى الإسكاف، فسأله عن عمله، فقال: إني رجل لا يكاد يمر بي أحد إلا ظننته أنه في الجنة وأنا في النار، ففُضِّل على الراهب بإزرائه على نفسه»٢.

وذُكر داود الطائي عند بعض الأمراء، فأثنوا عليه، فقال: «لو يعلم الناس بعض ما نحن عليه ما ذلّ لنا لسانٌ بذكر خير أبدًا»٣.

وقال أبو حفص: من لم يَتَّهِمْ نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في

  1. (١) ذكره أحمد في الورع (ص ١٥٢)، ورواه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (٣٧) عن إسماعيل بن علية قال: بلغني عن محمد بن واسع، ورواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٤٩) عن ابن علية عن يونس عن محمد بن واسع، ورواه الدينوري في المجالسة (١٥٧) من طريق عمارة بن زاذان، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٦/ ١٥٨) من طريق سفيان، كلاهما عن محمد بن واسع.
  2. (٢) محاسبة النفس (٤١)، وقد اختصر المؤلف سياقه.
  3. (٣) رواه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (٤٢)، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٥٩).
146

جميع الأحوال، ولم يجرَّها إلى مكروهها في سائر أوقاته، كان مغرورًا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها»١.

فالنفس داعية إلى المهالك، مُعينةٌ للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متَّبعة لكل سوء؛ فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة.

فالنعمة التي لا خَطَر لها: الخروج منها، والتخلصُ من رِقِّها، فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله، وأعرفُ الناس بها أشدُّهم إزراءً عليها، ومقتًا لها.

قال ابن أبى حاتم في «تفسيره»٢: حدثنا علي بن الحسن٣، حدثنا المُقَدَّمي، حدثنا عامر بن صالح عن أبيه، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال: اللهم اغفر لي ظلمي وكفري، فقال قائل: يا أمير المؤمنين! هذا الظلم، فما بال الكفر؟ قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾.

قال: وحدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، عن الصلت بن دينار، حدثنا بقية بن صُهبان٤ الهُنائي، قال: سألت عائشة عن قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢] فقالت: يا بني! هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضى

  1. (١) انظر: الرسالة القشيرية (ص ١٨٩). وأبو حفص هذا هو عمرو وقيل: عمر بن سلمة النيسابوري، له ترجمة في طبقات الصوفية (ص ١٠٣ - ١٠٩)، وحلية الأولياء (١٠/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
  2. (٢) عزاه إليه في الدر المنثور (٥/ ٤٥).
  3. (٣) ح: «الحسين».
  4. (٤) ح: «نبهاني».
147

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي