إغاثة اللهفان

جميع الأحوال، ولم يجرَّها إلى مكروهها في سائر أوقاته، كان مغرورًا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها»١.

فالنفس داعية إلى المهالك، مُعينةٌ للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متَّبعة لكل سوء؛ فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة.

فالنعمة التي لا خَطَر لها: الخروج منها، والتخلصُ من رِقِّها، فإنها أعظم حجاب بين العبد وبين الله، وأعرفُ الناس بها أشدُّهم إزراءً عليها، ومقتًا لها.

قال ابن أبى حاتم في «تفسيره»٢: حدثنا علي بن الحسن٣، حدثنا المُقَدَّمي، حدثنا عامر بن صالح عن أبيه، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال: اللهم اغفر لي ظلمي وكفري، فقال قائل: يا أمير المؤمنين! هذا الظلم، فما بال الكفر؟ قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾.

قال: وحدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، عن الصلت بن دينار، حدثنا بقية بن صُهبان٤ الهُنائي، قال: سألت عائشة عن قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢] فقالت: يا بني! هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضى

  1. (١) انظر: الرسالة القشيرية (ص ١٨٩). وأبو حفص هذا هو عمرو وقيل: عمر بن سلمة النيسابوري، له ترجمة في طبقات الصوفية (ص ١٠٣ - ١٠٩)، وحلية الأولياء (١٠/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
  2. (٢) عزاه إليه في الدر المنثور (٥/ ٤٥).
  3. (٣) ح: «الحسين».
  4. (٤) ح: «نبهاني».
147

على عهد رسول الله ﷺ، شهد له رسول الله ﷺ بالجنة والرزق، وأما المقتصد فمن تبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم»؛ فجعلت نفسها معنا١.

وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شَرِيكٌ، عن عاصم، عن أبى وائل عن مسروق، قال: دخل عبد الرحمن على أم سلمة، فقالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ مِنْ أصْحَابي لمَنْ لا يَرَانِي بَعْدَ أَنْ أَمُوتَ أَبَدًا»، فخرج عبد الرّحمن من عندها مذعورًا، حتّى دخل على عمر، فقال له: اسمع ما تقول أمّك! فقام عمر حتّى أتاها؛ فدخل عليها فسألها، ثمّ قال: أنشدك بالله، أمنهم أنا؟ قالت: لا، ولن أبرّئ بعدك أحدًا٢.

  1. (١) هو في مسند أبي داود الطيالسي (١٤٨٩)، ورواه أيضًا الطبراني في الأوسط (٦٠٩٤) والثعلبي في الكشف والبيان (٨/ ١٠٩) من طريق الصلت، وعزاه في الدر المنثور (٧/ ٢٤) لعبد بن حميد وابن مردويه، وصححه الحاكم (٣٥٩٣)، وتعقبه الذهبي بقوله: «الصلت قال النسائي: ليس بثقة، وقال أحمد: ليس بالقوي»، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢١٦): «فيه الصلت بن دينار وهو متروك»، وضعفه البوصيري في إتحاف الخيرة (٦/ ٢٥٨)، وهو في السلسلة الضعيفة (٣٢٣٥).
  2. (٢) مسند أحمد (٦/ ٣١٢)، ورواه أحمد أيضًا (٦/ ٢٩٨) عن أسود بن عامر، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣١٧) من طريق أبي نعيم، كلاهما عن شريك به. ورواه الطبراني (٢٣/ ٣١٨) من طريق عمرو بن أبي قيس وإسرائيل - فرَّقهما - عن عاصم به. ورواه ابن راهويه في مسنده (١٩١٣)، وأحمد (٦/ ٢٩٠، ٣٠٧، ٣١٧)، والبرقي في مسند عبد الرحمن بن عوف (٤٦)، وأبو يعلى (٧٠٠٣)، والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣١٩) من طرق عن الأعمش عن أبي وائل عن أم سلمة، قال الهيثمي في المجمع (٩/ ٧٢): «رواه البزار ورجاله رجال الصحيح»، وهو في السلسلة الصحيحة (٢٩٨٢).
148

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي