إغاثة اللهفان

فسمعت شيخنا يقول: إنما أرادت أني لا أفتح عليَّ هذا الباب، ولم تُرِدْ أنك وحدك البريء من ذلك دون سائر الصحابة.

ومَقْتُ النفس في ذات الله من صفات الصدِّيقين، ويدنو العبد به من الله سبحانه في لحظة واحدة أضعافَ أضعافِ ما يدنو بالعمل.

ذكر ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار، قال: «إن قومًا من بني إسرائيل كانوا في مسجد لهم في يوم عيد، فجاء شاب حتى قام على باب المسجد، فقال: ليس مثلي يدخل معكم، أنا صاحب كذا، أنا صاحب كذا؛ يزري على نفسه، فأوحى الله إلى نبيهم أنّ فلانًا صدِّيق»١.

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن بن أَتَش، حدثنا منذر، عن وهب: «أن رجلًا سائحًا عبد الله ﷿ سبعين سنة، ثم خرج يومًا، فقلّل عمله، وشكا إلى الله منه، واعترف بذنبه، فأتاه آتٍ من الله فقال: إن مجلسك هذا أحب إليّ من عملك فيما مضى من عمرك»٢.

  1. (١) هو في محاسبة النفس (٣١) عن إسماعيل بن إبراهيم عن عامر بن يساف عن مالك ابن دينار، ورواه من طريقه ابن الجوزي في ذم الهوى (ص ٤٤)، ورواه أحمد في الزهد (ص ١٠٠) عن غسان بن الربيع عن عامر به نحوه. وورد من كلام كعب الأحبار، فرواه ابن المبارك في الزهد (٤٧٨)، وأبو داود في الزهد (١٠) عن عبد العزيز بن عبد الصمد، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ٣٧٨)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٤٣١) من طريق جعفر بن سليمان، كلاهما عن مالك بن دينار عن معبد الجهني عن أبي العوام عن كعب الأحبار قولَه.
  2. (٢) الزهد لأحمد (ص ٥٣)، ورواه أبو داود في الزهد (١٥) عن محمد بن رافع النيسابوري عن محمد بن الحسن به.
149

قال أحمد: وحدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو هلال، حدثنا قتادة، قال: قال عيسى ابن مريم: «سلوني، فإني ليِّن القلب، صغير عند نفسي»١.

وذكر أحمد أيضًا عن عبد الله بن رباح الأنصاري، قال: «كان داود ينظر أَغمص حلقةٍ في بني إسرائيل، فيجلس بين ظهرانيهم، ثم يقول: يا ربِّ! مسكين بين ظهراني مساكين»٢.

وذُكر عن عمران بن مُسْلِم القصير، قال: قال موسى: «يا رب! أين أبغيك؟ قال: ابْغِني عند المنكسرة قلوبُهم؛ فإني أدنو منهم كل يوم باعًا، ولولا ذلك انهدموا»٣.

وفى كتاب «الزهد» للإمام أحمد: «أن رجلًا من بني إسرائيل تعبَّد ستين سنة في طلب حاجة، فلم يظفر بها، فقال في نفسه: والله لو كان فيكَ خير لظفرتَ بحاجتك، فأُتي في منامه، فقيل له: أرأيت إزراءك على نفسِك تلك الساعة؟ فإنه خير من عبادتك تلك السنين»٤.

  1. (١) الزهد لأحمد (ص ٥٩)، ورواه أيضًا (ص ٥٨) عن الحسن بن موسى عن أبي هلال به، ورواه ابن جرير في تفسيره (١٨/ ١٩٢) عن بشر عن يزيد، والثعلبي في الكشف والبيان (٦/ ٢١٥) من طريق روح بن عبادة، كلاهما عن سعيد عن قتادة به.
  2. (٢) لم أقف عليه من هذه الطريق، والذي في الزهد لأحمد (ص ٧٣) عن يزيد بن هارون عن الجريري عن أبي السليل قال: كان داود النبي ﵇ ... وكذا ذكر إسناده ابن القيم في عدة الصابرين (ص ١٤٧).
  3. (٣) رواه عبد الله في زوائد الزهد (ص ٧٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٧٧) عن سيار عن جعفر عن عمران القصير به.
  4. (٤) الزهد لأحمد (ص ٩٧، ٣٧٤ - ٣٧٥)، ورواه أيضًا ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (٦٠)، والخرائطي في اعتلال القلوب (٣٨)، كلّهم من طريق عبد الحميد صاحب الزيادي عن وهب بن منبه نحوه، ومن طريق ابن أبي الدنيا رواه ابن الجوزي في ذم الهوى (ص ٤٦)، ورواه البيهقي في الشعب (٥/ ٤٣٣) من طريق عبد الحميد صاحب الزيادي عن ابن أخت وهب بن منبه عن وهب.
150

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي