إغاثة اللهفان

قال أحمد: وحدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو هلال، حدثنا قتادة، قال: قال عيسى ابن مريم: «سلوني، فإني ليِّن القلب، صغير عند نفسي»١.

وذكر أحمد أيضًا عن عبد الله بن رباح الأنصاري، قال: «كان داود ينظر أَغمص حلقةٍ في بني إسرائيل، فيجلس بين ظهرانيهم، ثم يقول: يا ربِّ! مسكين بين ظهراني مساكين»٢.

وذُكر عن عمران بن مُسْلِم القصير، قال: قال موسى: «يا رب! أين أبغيك؟ قال: ابْغِني عند المنكسرة قلوبُهم؛ فإني أدنو منهم كل يوم باعًا، ولولا ذلك انهدموا»٣.

وفى كتاب «الزهد» للإمام أحمد: «أن رجلًا من بني إسرائيل تعبَّد ستين سنة في طلب حاجة، فلم يظفر بها، فقال في نفسه: والله لو كان فيكَ خير لظفرتَ بحاجتك، فأُتي في منامه، فقيل له: أرأيت إزراءك على نفسِك تلك الساعة؟ فإنه خير من عبادتك تلك السنين»٤.

  1. (١) الزهد لأحمد (ص ٥٩)، ورواه أيضًا (ص ٥٨) عن الحسن بن موسى عن أبي هلال به، ورواه ابن جرير في تفسيره (١٨/ ١٩٢) عن بشر عن يزيد، والثعلبي في الكشف والبيان (٦/ ٢١٥) من طريق روح بن عبادة، كلاهما عن سعيد عن قتادة به.
  2. (٢) لم أقف عليه من هذه الطريق، والذي في الزهد لأحمد (ص ٧٣) عن يزيد بن هارون عن الجريري عن أبي السليل قال: كان داود النبي ﵇ ... وكذا ذكر إسناده ابن القيم في عدة الصابرين (ص ١٤٧).
  3. (٣) رواه عبد الله في زوائد الزهد (ص ٧٥)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٧٧) عن سيار عن جعفر عن عمران القصير به.
  4. (٤) الزهد لأحمد (ص ٩٧، ٣٧٤ - ٣٧٥)، ورواه أيضًا ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (٦٠)، والخرائطي في اعتلال القلوب (٣٨)، كلّهم من طريق عبد الحميد صاحب الزيادي عن وهب بن منبه نحوه، ومن طريق ابن أبي الدنيا رواه ابن الجوزي في ذم الهوى (ص ٤٦)، ورواه البيهقي في الشعب (٥/ ٤٣٣) من طريق عبد الحميد صاحب الزيادي عن ابن أخت وهب بن منبه عن وهب.
150

ومن فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق الله عليه. ومن لم يعرف حق الله عليه فإن عبادته لا تكاد تُجدي عليه، وهى قليلة المنفعة جدًّا.

وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا جرير بن حازم، عن وهب، قال: «بلغني أن نبي الله موسى ﷺ مرَّ برجل يدعو ويتضرع، فقال: يا رب! ارحمه فإني قد رحمته، فأوحى الله إليه: لو دعاني حتى ينقطع قواه ما استجبتُ له حتى ينظر في حقِّي عليه»١.

فمِن أنفع ما للقلب: النظر في حق الله على العبد؛ فإن ذلك يُورِثه مقتَ نفسِه، والإزراء عليها، ويُخلِّصه من العُجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي ربه، واليأس٢ من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته؛ فإن من حقه أن يُطاع ولا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر.

فمَن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه عَلِم عِلْمَ اليقين أنه غير مؤدٍّ له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أُحيل على عمله هلك.

فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسَهم من أنفسهم، وعلَّق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته.

وإذا تأمَّلت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ينظرون في حقهم

  1. (١) الزهد لأحمد (ص ٨٨).
  2. (٢) م: «التأسي» تحريف.
151

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي