إغاثة اللهفان

وقد جمع النبي ﷺ بين الاستعاذة من الأمرين؛ في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه، عن أبي هريرة: أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: يا رسول الله! علِّمني شيئًا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيتُ؟ قال: «قل: اللهم عالِمَ الغيب والشهادة! فاطر السماوات والأرض! ربَّ كل شيء ومليكَه! أشهد أن لا إله إلا أنت؛ أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشِرْكه، وأن أقترف على نفسي سوءًا، أو أجُرّه إلى مسلم. قله إذا أصبحت، وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك»١.

فقد تضمن هذا الحديث الشريف الاستعاذة من الشر وأسبابه وغايته: فإن الشر كله إما أن يصدر من النفس أو من الشيطان، وغايته: إما أن تعود على العامل، أو على أخيه المسلم، فتضمن الحديث مصدري الشر اللذين يصدر عنهما، وغايتيه اللتين يصل إليهما.

فصل

قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ

  1. (١) سنن الترمذي (٣٣٩٢)، وليس فيه قوله: «وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم»، ورواه أيضًا الطيالسي (٩، ٢٥٨٢)، وابن أبي شيبة (٥/ ٣٢٢، ٦/ ٣٤)، وأحمد (١/ ٩، ١٠، ٢/ ٢٩٧)، والدارمي (٢٦٨٩)، والبخاري في الأدب المفرد (١٢٠٢، ١٢٠٣)، وأبو داود (٥٠٦٧)، والنسائي في الكبرى (٧٧١٥، ٩٨٣٩، ١٠٦٣١)، وأبو يعلى (٧٧)، وغيرهم، وصححه ابن حبان (٩٦٢)، والحاكم (١٨٩٢)، والنووي في الأذكار (٢١٢، ٢٧٤)، وابن دقيق العيد في الاقتراح (ص ١٢٨)، وابن القيم في الزاد (٢/ ٣٣٢)، وابن حجر في نتائج الأفكار (٢/ ٣٦٣)، وهو في السلسلة الصحيحة (٢٧٥٣).
156

عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨ ــ ١٠٠].

ومعنى اسْتَعِذْ بِالله: امتنع به، واعتصم به، والجأ إليه، ومصدره: العَوْذ، والْعِيَاذ، والمَعَاذ؛ وغالِب استعماله في المستعاذ به، ومنه قول النبي ﷺ: «لقد عذتِ بِمَعاذ»١.

وأصل اللفظة من اللَّجأ إلى الشيء والاقتراب منه، ومن كلام العرب: «أطيبُ اللحم عُوَّذُه»؛ أي الذي قد عاذ بالعظم واتصل به، و«ناقة عائذ»: يعوذ بها ولدها، وجمعها عُوذ كحُمْر.

ومنه في حديث الحُديبية: «معهم العُوذ المطافيل»٢؛ والمطافيل: جمع مُطْفِلٍ، وهى الناقة التي معها فصيلها.

قالت طائفةٌ ــ منهم صاحب «جامع الأصول»٣ ــ: استعار ذلك للناس؛ أي معهم النساء وأطفالهن.

ولا حاجة إلى ذلك، بل اللفظ على حقيقته، أي قد خرجوا إليك بدوابِّهم ومراكبهم، حتى أخرجوا معهم النوق التي معها أولادها.

فأمر سبحانه بالاستعاذة به من الشيطان عند قراءة القرآن. وفى ذلك وجوه:

منها: أن القرآن شفاء لما في الصدور، مُذهِبٌ لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أَثَّره فيها الشيطان،

  1. (١) أخرجه البخاري (٥٢٥٤) من حديث عائشة.
  2. (٢) أخرجه البخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢) من حديث المسور بن مخرمة ومروان.
  3. (٣) انظر (٨/ ٣٠٣) منه.
157

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي