إغاثة اللهفان

فأمر أن يطرُدَ مادة الداء، ويُخلِي منه القلب، ليصادف الدواء محلًّا خاليًا، فيتمكّن منه، ويؤثِّر فيه، كما قيل:

أَتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الهَوَىفَصَادَفَ قَلْبًا خَالِيًا فَتَمَكّنَا١

فيجيء هذا الدواء الشافي إلى القلب قد خلا من مزاحمٍ ومُضادٍّ له، فينجع فيه.

ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير في القلب، كما أن الماء مادة النبات، والشيطان نارٌ يحرق النبات أولًا فأولًا، فكلما أحسَّ بنبات الخير في القلب سعى في إفساده وإحراقه، فأُمر أن يستعيذ بالله منه؛ لئلا يُفسِد عليه ما يحصل له بالقرآن.

والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله: أن الاستعاذة في الوجه الأول لأجل حصول فائدة القرآن، وفى الوجه الثاني لأجل بقائها وحفظها وثباتها.

وكأنَّ من قال: إن الاستعاذة بعد القراءة؛ لَحَظَ هذا المعنى، وهو لعَمْر اللهِ٢ مَلْحَظ جيد؛ إلا أن السنة وآثار الصحابة إنما جاءت بالاستعاذة قبل الشروع في القراءة، وهو قول جمهور الأمة من السلف والخلف، وهي محصّلة للأمرين.

ومنها: أن الملائكة تدنو من قارئ القرآن، وتستمع لقراءته، كما في حديث أُسيد بن حُضَير لما كان يقرأ، ورأى مثلَ الظُّلة فيها مثل المصابيح،

  1. (١) البيت للمجنون في ديوانه (ص ٢١٩)، وينسب لغيره. انظر: روضة المحبين (ص ١٤٤، ٢١٢).
  2. (٢) م: «نعم والله».
158

فقال عليه النبي ﷺ: «تلك الملائكة»١ والشيطان ضد الملَك وعدوُّه، فأُمر القارئ أن يطلب من الله مباعدة عدوه عنه حتى تحضره خاصتُه وملائكته، فهذه وليمة لا تجتمع فيها الملائكة والشياطين.

ومنها: أن الشيطان يُجْلِب على القارئ بخيله ورَجله، حتى يَشْغَله عن المقصود بالقرآن، وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد به المتكلم به سبحانه، فيحرص بجهده على أن يحول بين قلبه وبين مقصود القرآن؛ فلا يكمل انتفاع القارئ به، فأُمر عند الشروع أن يستعيذ [٢٨ ب] بالله منه.

ومنها: أن القارئ مناجٍ لله بكلامه، والله تعالى أشد أَذَنًا للقارئ الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَيْنة إلى قينته٢، والشيطان إنما قراءته الشعر والغناء، فأُمر القارئ أن يطرده بالاستعاذة عند مناجاته لله، واستماع الربِّ قراءتَهُ.

ومنها: أن الله سبحانه أخبر أنه ما أرسل من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أُمنيته٣، والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته، كما قال الشاعر في عثمان:

تَمنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِوَآخِرَهُ لاقَى حِمَامَ المَقَادِرِ٤
  1. (١) أخرجه مسلم (٧٩٦) عن أبي سعيد، وذكره البخاري (٥٠١٨) تعليقًا.
  2. (٢) كما في الحديث الذي أخرجه أحمد (٦/ ١٩، ٢٠)، وابن ماجه (١٣٤٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٧١) وصححه، وردَّه الذهبي وقال: بل هو منقطع. انظر: السلسلة الضعيفة (٢٩٥١).
  3. (٣) كما في سورة الحج: ٥٢ - ٥٤.
  4. (٤) ينسب البيت لحسان بن ثابت في البحر المحيط (٦/ ٣٨٢)، وليس في ديوانه. وهو بلا نسبة في كتاب العين (٨/ ٣٩٠)، ومقاييس اللغة (٥/ ٢٧٧)، ولسان العرب (منى).
159

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي