إغاثة اللهفان

فإذا كان هذا فعله مع الرسل، فكيف بغيرهم؟

ولهذا يُغلِّط القارئ تارة، ويخبط عليه القراءة، ويشوِّشها عليه، فيخبط عليه لسانه، أو يُشوِّش عليه فهمه وقلبه، فإذا حضر عند القراءة لم يَعدمْ منه القارئ هذا أو هذا، وربما جمعهما له، فكان من أهم الأمور: استعاذة بالله منه عند القراءة.

ومنها: أن الشيطان أحرصُ ما يكون على الإنسان عندما يهُمُّ بالخير، أو يدخل فيه، فهو يشتد عليه حينئذٍ ليقطعه عنه، وفى «الصحيح» عنه ﷺ: «إن شيطانًا تَفلَّتَ عليّ البارحة، فأراد أن يقطع عليّ صلاتي» الحديث١. وكلما كان الفعل أنفع للعبد وأحب إلى الله، كان اعتراض الشيطان له أكثر.

وفى «مسند الإمام أحمد» من حديث سَبْرة بن أبى الفاكه، أنه سمع النبى ﷺ يقول: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرُقِه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتُسلِم وتَذَرُ دينَك ودينَ آبائك؟ فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتذَرُ أرضك وسماءك؟ وإنما مثل المهاجر كالفَرَس في الطِّوَل، فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد ــ وهو جهاد النفس والمال ــ؛ فقال: تقاتِل فتُقتلُ، فتُنكَحُ المرأة ويُقسم٢ المال!»٣.

  1. (١) أخرجه البخاري (٤٦١، ١٢١٠، ومواضع أخرى)، ومسلم (٥٤١) عن أبي هريرة.
  2. (٢) الأصل: «ويغنم».
  3. (٣) مسند أحمد (٣/ ٤٨٣)، ورواه أيضًا النسائي (٣١٣٤)، والطبراني في الكبير (٧/ ١١٧)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٢١)، وصححه ابن حبان (٤٥٩٣)، والعراقي في تخريج الإحياء (٢/ ٧١٨)، وحسنه ابن حجر في الإصابة (٣/ ٣١) وقال: «إلا أن في إسناده اختلافًا»، وهو في السلسلة الصحيحة (٢٩٧٩).
160

فالشيطان بالرَّصدِ للإنسان على طريق كل خير.

وقال منصور عن مجاهد: «ما من رفقة تخرج إلى مكة إلا جهَّز معهم إبليس مثل عدتهم». رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره»١.

فهو بالرَّصد، ولاسيما عند قراءة القرآن، فأمر سبحانه العبد أن يحارب عدُوَّه الذي يقطع عليه الطريق، ويستعيذ بالله منه أولًا، ثم يأخذ في السير، كما أن المسافر إذا عرض له قاطع طريق اشتغل بدفعه، ثم اندفع في سيره.

ومنها: أن الاستعاذة قبل القراءة عنوان وإعلام بأن المأتيَّ به بعدها القرآن، ولهذا لم تُشرَع الاستعاذة بين يدي كلام غيره، بل الاستعاذة مقدمة وتنبيه للسامع أن الذي يأتي بعدها هو التلاوة، فإذا سمع السامع الاستعاذة استعدَّ لاستماع كلام الله، ثم شُرع ذلك للقارئ وإن كان وحده٢؛ لما ذكرنا من الحكم وغيرها.

فهذه بعض فوائد الاستعاذة.

وقد قال أحمد في رواية حنبل: «لا يقرأ في صلاة ولا غير صلاة إلا استعاذ؛ لقوله ﷿: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]».

وقال في رواية ابن مُشَيْشٍ: «كلما قرأ يستعيذ».

وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي إذا قرأ استعاذ، يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم».

  1. (١) لم يعزه في الدر المنثور (٣/ ٤٢٦) إلا لابن المنذر.
  2. (٢) م: «بعده».
161

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي