قال أبو عبيد١ عن الكسائي: هَمَزتُه، ولَمَزْتُهُ، ولَهزتُه، ونَهزتُه: إذا دفعته.
والتحقيق: أنه دفعٌ بنَخْز، وغَمْزٌ يشبه الطعن، فهو دفع خاص، فهمزات الشياطين: دفعهم الوساوس والإغواء إلى القلب.
قال ابن عباس والحسن: ﴿هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾: نزغاتهم ووساوسهم٢.
وفُسِّرت همزاتهم بنفخهم ونفثهم، هذا قول مجاهد٣.
وفُسِّرت بخنقهم؛ وهو الموتة التي تشبه الجنون٤.
(١) في غريب الحديث (٣/ ٧٧، ٧٨). ونقله الواحدي في البسيط (١٦/ ٥٥).
(٢) قال ابن عباس: «نزغاتهم»، وقال الحسن: «وساوسهم». انظر: تفسير الثعلبي (٧/ ٥٥)، وتفسير البغوي (٥/ ٤٢٨).
(٣) انظر: تفسير الثعلبي (٧/ ٥٥)، وتفسير البغوي (٥/ ٤٢٨).
(٤) وهو قول ابن زيد، رواه عنه ابن جرير في تفسيره (١٩/ ٦٨).
وظاهر الحديث: أن الهمز نوع غير النفخ والنفث.
وقد يقال ــ وهو الأظهرـ: إن همزات الشياطين إذا أُفردت دخل فيها جميع إصاباتهم لابن آدم، وإذا قُرنت بالنفخ والنفث كانت نوعًا خاصًّا، كنظائر ذلك.
ثم قال: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾.
قال ابن زيد: في أموري١.
وقال الكلبي: عند تلاوة القرآن٢.
وقال عكرمة: عند النزع والسِّياق٣.
فأمَره أن يستعيذ من نَوْعَيْ شرِّهم: إصابتهم له بالهمز، وقربهم ودنوّهم منه. فتضمنت الاستعاذة أن لا يمسوه ولا يقربوه، وذكر ذلك سبحانه عقيب قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾[المؤمنون: ٩٦]، فأمره أن يحترز من شر شياطين الإنس بدفع إساءتهم إليه بالتي هي أحسن، وأن يدفع شر شياطين الجن بالاستعاذة منهم.
ونظير هذا قولُه في الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾[الأعراف: ١٩٩]، فأمره بدفع شر الجاهلين بالإعراض عنهم، ثم أمره بدفع شر الشيطان٤ بالاستعاذة منه؛ فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ
(١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٩/ ٦٩)، وعزاه في الدر المنثور (٦/ ١١٤) لابن أبي حاتم.
(٢) انظر: النكت والعيون للماوردي (٤/ ٦٦).
(٣) انظر: الكشاف للزمخشري (٣/ ٢٠٤). والأقوال الثلاثة في البسيط (١٦/ ٥٨).