إغاثة اللهفان

يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا، فقال الآخر: إنْ سَمِعَ بعضَهُ سمعه كُلَّه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٢، ٢٣].

فجاء التأكيد في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ في سياق هذا الإنكار، أي هو وحده الذي له كمال قوة السمع وإحاطة العلم، لا كما يظن به أعداؤه الجاهلون: أنه لا يسمع إن أخفوْا، وأنه لا يعلم كثيرًا مما يعملون.

وحسّن ذلك أيضًا: أن المأمور به في سورة فصلت دفع إساءتهم إليه بإحسانه إليهم، وذلك أشق على النفوس من مجرد الإعراض عنهم؛ ولهذا عقبه بقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، فحسن التأكيد لحاجة المستعيذ.

وأيضًا فإن السياق هاهنا لإثبات صفات كماله، وأدلة ثبوتها، وآيات ربوبيته، وشواهد توحيده؛ ولهذا عقَّب ذلك بقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩]، فأتى بأداة التعريف الدالة على أن من أسمائه السَّميعَ العَلِيمَ، كما جاءت الأسماء الحسنى كلها معرّفةً.

والذي في الأعراف في سياق وعيد المشركين وإخوانِهم من الشياطين، ووعد المستعيذ بأن له ربًّا يسمع ويعلم، وآلهة المشركين التي١ عبدوها من

  1. (١) الأصل: «الذين». والمثبت من بقية النسخ.
167

دونه؛ ليس لهم أعين يبصرون بها، ولا آذان يسمعون بها، فالله سميع عليم، وآلهتهم لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم، فكيف يُسَوُّونها به في العبادة. فعلمتَ أنه لا يليق بهذا السياق غير التنكير، كما لا يليق بذلك غير التعريف. والله أعلم بأسرار كلامه.

ولمّا كان المستعاذ منه في سورة ﴿حم﴾ المؤمن هو شرّ١ مجادلة الكفار في آياته، وما ترتَّب عليها من أفعالهم المرئية بالبصر، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦]؛ فإنه لما كان المستعاذ منه كلامهم وأفعالهم المشاهدة عيانا قال: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وهناك المستعاذ منه غير مشاهد لنا؛ فإنه يرانا هو وقَبيلُه من حيث لا نراه، بل هو معلوم بالإيمان وإخبار الله ورسوله.

فصل

فالقرآن أرشد إلى دفع [٣٠ أ] هذين العدوّين بأسهل الطرق: بالاستعاذة، والإعراض عن الجاهلين، ودفع إساءتهم بالإحسان، وأخبر عن عِظم حظِّ من لقّاه ذلك؛ فإنه ينال بذلك كفّ شر عدوه وانقلابه صديقًا، ومحبة الناس له، وثناءهم عليه، وقهر هواه، وسلامة قلبه من الغِلّ والحقد، وطمأنينة الناس حتى عدوه إليه، هذا غير ما يناله من كرامة الله، وحسن ثوابه ورضاه عنه، وهذا غاية الحظ عاجلًا وآجلًا. ولما كان ذلك لا يُنال إلا بالصبر قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]؛ فإن النَّزِق الطائش لا يصبر عن المقابلة.

  1. (١) ت، ظ: «سر». م: «سوء».
168

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي