إغاثة اللهفان

رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩، ١٠٠].

فتضمن ذلك أمرين:

أحدهما: نفي سلطانه وإبطاله على أهل التوحيد والإخلاص.

والثاني: إثبات سلطانه على أهل الشرك وعلى من تولَّاه.

ولما علم عدوُّ الله أن الله لا يُسلّطه على أهل التوحيد والإخلاص قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٨٢ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣].

فعلم عدو الله أن من اعتصم بالله، وأخلص له، وتوكل عليه لا يقدر على إغوائه وإضلاله، وإنما يكون له السلطان على من تولاه وأشرك مع الله، فهؤلاء رعيته، وهو وليُّهم وسلطانهم ومتبوعهم.

فإن قيل: فقد أثبت له السلطان على أوليائه في هذا الموضع، فكيف ينفيه في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ٢٠ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ: ٢٠،٢١].

قيل: إن كان الضمير في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ عائدًا على المؤمنين فالسؤال ساقط، ويكون الاستثناء منقطعًا؛ أي لكن امتحنّاهم بإبليس، لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك.

وإن كان عائدًا على ما عاد عليه في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ﴾، وهو الظاهر؛ ليصحّ الاستثناء المنقطع بوقوعه بعد النفي،

170

ويكون المعنى: وما سلّطناه عليهم إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة١.

قال ابن قُتيبة٢: «إن إبليس لما سأل الله النظرة: فأنظَره، قال: لأُغوِينَّهم ولأُضِلَّنهم ولآمرنَّهم بكذا، ولأتخذنّ من عبادك نصيبًا مفروضًا، وليس هو في وقت هذه المقالة مستيقنًا أن ما قدّره فيهم يتمّ، وإنما قاله ظانًّا، فلما اتّبعوه وأطاعوه صدَّق عليهم ما ظنَّه فيهم، فقال تعالى: وما كان تسليطنا إياه إلا لنعلم المؤمنين من الشاكِّين، يعني: نعلمهم موجودين ظاهرين، فيحق القول ويقع الجزاء».

وعلى هذا فيكون السلطان هاهنا على من لم يؤمن بالآخرة وشكّ فيها، وهم الذين تولَّوه وأشركوا به؛ فيكون السلطان ثابتًا لا منفيًّا، فتتفق هذه الآية مع سائر الآيات.

فإن قيل: فما تصنع بالتي في سورة إبراهيم؟ حيث يقول لأهل النار: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وهذا وإن كان قوله فالله سبحانه أخبر به عنه مُقررًا له لا منكرًا، فدلّ على أنه كذلك.

قيل: هذا سؤال جيد، وجوابه: أن السلطان المنفي في هذا الموضع هو الحجة والبرهان؛ أي ما كان لي عليكم من حجة وبرهان أحتجُّ به عليكم، كما قال ابن عباس: «ما كان لي من حجة أحتجُّ بها عليكم»٣؛ أي ما

  1. (١) م: «بالله».
  2. (٢) في «تأويل مشكل القرآن» (ص ٣١١).
  3. (٣) علّق البخاري في كتاب التفسير، باب: سورة بني إسرائيل، بصيغة الجزم عن ابن عباس قال: «كل سلطان في القرآن فهو حجة»، وهو موصول عند عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٩٩)، وابن جرير في تفسيره (١٩/ ٤٤٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥٧٧٨، ١٦٢٣٢)، وغيرهم، وصحّح إسناده ابن كثير في تفسيره (٢/ ٤٤١)، وابن حجر في الفتح (٨/ ٣٩١).
171

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي