«تُوقِدهم»١؛ أي: تُحرِّكهم كما يحرَّك الماء بالإيقاد تحته.
وقال الأخفش: «تُوهِّجهم»٢.
وحقيقة ذلك: أن الأزّ هو التحريك والتهييج، ومنه يقال لغليان القدر: الأزيز؛ لأن الماء يتحرك عند الغليان، ومنه الحديث: «لِجَوفه أزيزٌ كأزيزِ المِرْجَل من البكاء»٣.
قال أبو عبيدة٤: الأزيز: الالتهاب والحركة، كالتهاب النار في الحطب، يقال: اُزَّ قِدْرَك أي: أَلْهِبْ تحتها بالنار؛ وائتزَّت القِدْرُ: إذا اشتد غليانها.
فقد حصل للأزّ معنيان، أحدهما: التحريك، والثاني: الإيقاد والإلهاب، وهما متقاربان، فإنه تحريك خاص بإزعاج وإلهاب.
(١) رواه عنه ابن الأنباري في «إيضاح الوقف والابتداء». انظر: الدر المنثور (٥/ ٥٣٨).
(٢) انظر: تفسير الثعلبي (٦/ ٢٣٠).
(٣) رواه ابن المبارك في الزهد (١٠٩)، وأحمد (٤/ ٢٥، ٢٦)، وعبد بن حميد (٥١٤)، وأبو داود (٩٠٤)، والترمذي في الشمائل (٣٢٣)، والنسائي (١٢١٤)، وأبو يعلى (١٥٩٩)، وغيرهم عن عبد الله بن الشخير ﵁، وصححه ابن خزيمة (٩٠٠)، وابن حبان (٦٦٥، ٧٥٣)، والحاكم (٩٧١)، والنووي في رياض الصالحين (٤٥٠) وفي غيره، وابن دقيق العيد في الاقتراح (ص ٩٦)، وابن رجب في فتح الباري (٤/ ٢٤٥)، وقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٠٦): «إسناده قوي»، وهو في صحيح الترغيب (٥٤٤، ٣٣٢٩).
(٤) انظر: تهذيب اللغة (١٣/ ٢٨١). واختصر المؤلف أقوال العلماء في تفسير «الأزّ» من البسيط للواحدي (١٤/ ٣٢٤، ٣٢٥).
فهذا من السلطان الذي له على أوليائه وأهل الشرك، ولكن ليس له على ذلك سلطان حجةٍ وبرهان، وإنما استجابوا له بمجرَّد دعوته إياهم، لمَّا وافقت أهواءهم وأغراضهم، فهم الذين أعانوا على أنفسهم، ومكّنوا عدوَّهم من سلطانه عليهم بموافقته ومتابعته، فلما أعطوا بأيديهم واستأسروا له سُلّط عليهم عقوبةً لهم!
وبهذا يظهر معنى قوله سبحانه: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾[النساء: ١٤١]، فالآية على عمومها وظاهرها، وإنما المؤمنون يصدر منهم من المعصية والمخالفة التي تضادُّ الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيلٌ، بحسب تلك المخالفة، فهم الذين تسبَّبُوا إلى جعل السبيل عليهم، كما تسبّبوا إليه يوم أُحد بمعصية الرسول ومخالفته.
والله سبحانه لم يجعل للشيطان على العبد سلطانًا حتى جعل له العبد سبيلًا إليه؛ بطاعته والشرك به، فجعل الله حينئذٍ له عليه تسلطًا وقهرًا، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ [٣١ أ] إلا نفسه١.
فالتوحيد والتوكل والإخلاص يمنع سلطانه، والشرك وفروعه يوجب سلطانه، والجميع بقضاء مَنْ أزِمَّة الأمور بيديه، ومَردُّها إليه، وله الحجة البالغة، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، لكن أبتْ حكمته وحمده وملكه إلا ذلك: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٣٦ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[الجاثية: ٣٦، ٣٧].
(١) كما في الحديث القدسي المشهور الذي أخرجه مسلم (٢٥٧٧) عن أبي ذر.