إغاثة اللهفان

فوقهم»١.

وقال الشعبي: «الله ﷿ أنزل الرحمة عليهم من فوقهم»٢.

وقال قتادة: «أتاك الشيطان يا ابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك؛ لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله»٣.

قال الواحدي٤: وقول من قال: الأيمان كناية عن الحسنات، والشمائل كناية عن السيئات، حسنٌ؛ لأن العرب تقول: اجعلني في يمينك، ولا تجعلني في شمالك، تريد: اجعلني من المقدَّمين عندك، ولا تجعلني من المؤخَّرين، وأنشد لابن الدُّميْنة:

أَبِيني أفِي يُمْنى يَديْكِ جَعَلْتِنِيفَأَفْرَحَ أمْ صَيَّرْتِنِي في شِمَالِكِ؟٥

[٣١ ب] وروى أبو عبيد عن الأصمعي: هو عندنا باليمين، أي: بمنزلةٍ حسنة، وبضد ذلك: هو عندنا بالشمال، وأنشد:

  1. (١) رواه ابن راهويه ــ كما في المطالب العالية (٣٠١١) - وابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٤١ - ٣٤٢) من طريقين عن الحكم بن أبان عن عكرمة عنه، ولفظ الطبري: «ولم يقل: من فوقهم لأن الرحمة تنزل من فوقهم»، ومن طريق ابن راهويه رواه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٦٦١)، وعزاه في الدر المنثور (٣/ ٤٢٧) لعبد ابن حميد.
  2. (٢) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨٢٦٢) من طريق مجاهد عنه.
  3. (٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٣٩) من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
  4. (٤) في البسيط (٩/ ٥٤ ــ ٥٦). وهو قول ابن الأنباري نقله الواحدي، ونقله الرازي أيضًا عن ابن الأنباري.
  5. (٥) انظر: ديوانه (ص ١٣ ــ ١٧)، وأمالي الزجاجي (ص ١٦٨).
179
رَأَيتُ بَنِي العَلَّاتِ لَمَّا تَظَافَروايَحُوزُونَ سَهْمي عِنْدَهُمْ فِي الشَّمائِلِ١

أي: يُنزِلونني بالمنزلة السيئة.

وحكى الأزهري٢ عن بعضهم في هذه الآية: «لأغوينَّهم حتى يكذِّبوا بما تقدم من أمور الأمم السالفة، ومن خلفهم بأمر البعث، وعن أيمانهم وعن شمائلهم؛ أي: لأضلّنهم فيما يعملون؛ لأن الكسب يقال فيه: ذلك بما كسبت يداك، وإن كانت اليدان لم تَجنِيا٣ شيئًا؛ لأنهما الأصل في التصرف، فجُعلتا مثلًا لجميع ما يُعمل بغيرهما».

وقال آخرون ــ منهم أبو إسحاق، والزمخشري، واللفظ لأبى إسحاق٤ ــ: «ذكر هذه الوجوه للمبالغة في التوكيد؛ أي: لآتينَّهم من جميع الجهات، والحقيقة ــ والله أعلم ــ: أتصرف لهم في الإضلال من جميع جهاتهم».

وقال الزمخشري٥: «ثم لآتينَّهم من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في الغالب، وهذا مَثلٌ لوسوسته إليهم، وتسويله ما أمكنه وقدر عليه، كقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]».

  1. (١) البيت لأبي خراش الهذلي في شرح أشعار الهذليين (٣/ ١١٩٧)، ولأبي جندب الهذلي فيه (١/ ٣٤٨)، وهو لأبي خراش في المعاني الكبير (ص ٨٤٩، ١١٢٥)، والأغاني (٢١/ ٢٢٠).
  2. (٢) انظر: تهذيب اللغة (١٥/ ٥٢٣). ونقله المؤلف من البسيط (٩/ ٥٦).
  3. (٣) م: «يجتنبا» تحريف.
  4. (٤) انظر: معاني القرآن لأبي إسحاق الزجاج (٢/ ٣٢٤)، والوسيط للواحدي (٢/ ٣٣٥).
  5. (٥) الكشاف (٢/ ٥٦).
180

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي